في كل طبق حكاية.. كيف صاغت ليبيا هويتها عبر الطعام؟

الطعام في ليبيا ليس مجرد وجبة تحضر وتؤكل، بل سجل حضاري تدون فيه فصول التاريخ وتتقاطع فيه الثقافات. في كل قدر يغلي، ثمة حكاية عن طرق قوافل واحتكاك بحضارات، أعاد المطبخ الليبي صياغتها وقدمها بنكهة لا تشبه إلا نفسها.

قدر واحد.. تاريخ على نار هادئة

من أسرار مطابخ شمال أفريقيا فلسفة الطهي في إناء واحد، تقنية تجمع المكونات كما تجمع التاريخ والجغرافيا والهوية في وعاء واحد. في المطبخ الليبي، لا يعد الطهي في قدر واحد مجرد حل عملي، بل رؤية للطعام والحياة، تطهى اللحوم والخضروات والتوابل معا تحت البخار حتى تذوب الحدود بينها وتولد نكهة متجانسة.

High view cauldron with savage rice freepik
الطهي في إناء واحد ليس مجرد خيار عملي في المطبخ الليبي بل هو تعبير عميق عن رؤية للطعام والحياة معا (فري بيك)

الباحثة والطاهية الأمريكية باولا ولفرت تشير في كتابها “الكسكس وأطباق مغاربية شهية أخرى” (1973) إلى دور الطاجين في طهي الأصناف معا واستثمار البخار، بوصفه نتاج تقاليد طهو متجذرة في بيئة شمال أفريقيا التي فضلت الوجبات المتكاملة. ومن مصر وفولها، إلى طاجين المغرب وكسكسه، وصولا إلى المبكبكة والشوربة الليبية، تتجلى هذه الفلسفة في أطباق تعبر عن الصحراء والبحر والمتوسط في آن واحد.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2لماذا كعك العيد مستدير؟ حكاية عمرها 5 آلاف عام
  • list 2 of 2كيف تحتفل المدن اليمنية بختم القرآن في العشر الأخير من رمضان؟

end of list

القدر الليبي لم يطهُ طعاما فقط، بل طهى هوية: تقاليد الصحراء الكبرى، مرور القوافل، الوجود العثماني، ثم التأثير الإيطالي، كلها امتصها المطبخ الليبي وأعاد إخراجها بطبق ليبي خالص.

المبكبكة.. مزيج الصحراء والبحر

المبكبكة من أشهر الأطباق الليبية وأكثرها انتشارا خارج البلاد، طبق أحمر كثيف القوام، يجمع بين طراوة المكرونة وثراء الصلصة ونكهة دافئة تميل إلى الحدة المعتدلة.

تطهى مكرونة قصيرة مباشرة في صلصة الطماطم مع لحم الضأن أو الدجاج، ويضاف البصل والثوم ومعجون الطماطم، وأحيانا الحمص أو البطاطس، مع خليط من الكركم والكمون والفلفل الأحمر والكزبرة الجافة ولمسة من الهريسة أو الفلفل الحار، وتؤكل غالبا جماعيا من طبق واحد.

إعلان

 

يشير بحث من جامعة ليدز (2019) نشر في مجلة جمعية الدراسات الليبية إلى أن الحقبة الاستعمارية الإيطالية (1911-1943) كانت نقطة التحول في انتشار المكرونة بليبيا، إذ أدخل الإيطاليون تقنيات الإنتاج الصناعي وأنماط طهي جديدة، بعد أن عرفت المكرونة في أواخر القرن التاسع عشر عبر التجارة المتوسطية.

لم يكتف الليبيون بالتبني، بل أعادوا تشكيلها، فطهوها في قدر واحد داخل مرق متبل، لا مسلوقة منفصلة كما في المطبخ الإيطالي، لتولد المبكبكة بصيغتها الحالية التي تمزج تأثيرات محلية ومتوسطية وأمازيغية.

الشوربة الليبية.. حساء تتبعه الكلمات

قصة الشوربة الليبية تبدأ من اسمها، فالمؤرخ البريطاني آلان ديفيدسون يذكر في “دليل أوكسفورد للطعام” أن كلمة “شوربة” عربية مأخوذة من الفارسية “شوربا”، وصلت إلى المنطقة عبر العثمانيين بصيغة “جوربا”. ومن هذا المسار اللغوي والثقافي ولدت الشوربة الليبية.

كغيرها من أطباق المنطقة، تطهى في إناء واحد، ومع توسع التجارة دخلت الطماطم ومعجون الطماطم والتوابل عبر شبكات ربطت ليبيا بالمتوسط وأوروبا والهند والعالم الجديد. أصبح النعناع المجفف جزءا أساسيا من نكهتها، في لمسة عثمانية واضحة، يرافقها إرث متوسطي حاضر في زيت الزيتون والحموضة الخفيفة.

يصنف موقع “تيست أطلس” (TasteAtlas) الشوربة الليبية ضمن أفضل مئة حساء لحم في العالم. في الأعراس والولائم، تحضر بلونها الأحمر وقوامها المتوسط بين الشوربة واليخنة، من لحم الضأن أو البقر مع البصل ومعجون الطماطم والحمص، وتضاف إليها شعيرية أو حبوب، وتتكون نكهتها من الكركم والكمون والقرفة والكزبرة مع النعناع الجاف أو الهريسة، مانحة هذا الحساء شخصية ليبية واضحة.

المقروض.. حلوى تعبر دروب المغرب العربي

المقروض حلوى مغاربية عريقة من السميد والتمر والزيت، تنبع من بيئة شمال أفريقيا حيث كان التمر غذاء القوافل والسميد من الحبوب الرئيسة، حل عملي لحمل الطاقة في الرحلات الطويلة قبل أن يتحول إلى فن طهي. أقدم توثيق له يرد في كتاب “الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين”، حيث يسمى “الخشكلان”، كما يورده ابن رزين التجيبي في “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان” في القرن الثالث عشر.

دراسة تاريخية بعنوان “الأطعمة التقليدية” (2019) ضمن سلسلة “هندسة الغذاء” عن دار سبرينغر ترجح نشأته في القيروان عاصمة الدولة الأغلبية في القرن التاسع الميلادي، مع انتشاره لاحقا إلى صقلية ومالطا غربا، وإلى الساحل الليبي شرقا، حيث استقر في طرابلس وبنغازي وصار جزءا من طقوس الأعياد والأعراس ورمزا للكرم.

في ليبيا احتفظ المقروض بروحه القديمة، معتمدا على تمور الجنوب مثل سبها وأوجلة، في امتداد للموروث الصحراوي الأمازيغي. تعددت حشواته بين التمر -الأوسع انتشارا- واللوز ذي الطابع الاحتفالي، والتين المرتبط بوفرة المحصول. واختلفت طرق الطهي بين القلي والخبز، كما تنوعت نسبة العسل والقطر والزخرفة، إلى أن أصبح شكله المعين المنقوش علامة بصرية لحلوى تختصر في قطعة واحدة تاريخا مغاربيا استقر أيضا في ليبيا.

الطعام في ليبيا.. هوية تؤكل

في النهاية، يتجاوز الطعام في ليبيا حدود الشبع، فهو منظومة اجتماعية وثقافية تعكس قيم الكرم والتكافل والانتماء. لكل منطقة لمستها في التوابل والقوام وطريقة التقديم، ضمن لوحة تجمع وحدة وطنية وخصوصيات محلية، تجعل الأطباق التقليدية جزءا حيا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية الليبية.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة