في يومه العالمي.. حكاية الفلفل الحار من التوابل الروحية إلى كيمياء المتعة

لم تبدأ علاقة الإنسان بالتوابل كشغفٍ بمذاق الطعام، بل كانت رحلةً روحية وطبية في المقام الأول؛ فقد قدستها الحضارات القديمة واستخدمتها في طقوس التحنيط، وصبغ الأقمشة، وكعلاجات طبيعية قبل أن تقتحم عالم الطهي بقرون. هذا المسار التراكمي جعل من التوابل سلعاً استراتيجية شكلت اقتصاد العالم القديم ورسمت خرائط التجارة الكبرى.

ثنائية الفلفل: صراع الشرق والعالم الجديد

تاريخياً، يجب التمييز بين نوعين من “الفلفل” فرقتهما الجغرافيا وجمعهما المذاق الحار:

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 210 علامات تكشف أن البرغر ليس مصنوعا من لحم بقري صافي
  • list 2 of 2لوجه بلا شيخوخة.. وهم إكسير الذهب الذي قتل نبلاء أوروبا

end of list

الفلفل الأسود: “ذهب الهند” الأصيل الذي سيطر على طرق التجارة الآسيوية وكان يُباع بوزنه ذهباً.

الفلفل الأحمر (الحار): المكتشف المذهل في “العالم الجديد” (الأميركتين)، حيث زرعته حضارات المكسيك وبيرو وبوليفيا منذ آلاف السنين كجزء من هويتها الغذائية.

في الثقافة المكسيكية، لم يعد الفلفل الحار مجرد طعام، بل لغة رمزية للتعبير عن القوة والطاقة والهوية الاجتماعية (فريبيك)

ثورة “كولومبوس” والانتشار العالمي

شهد أواخر القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً حين نقل البحارة الإسبان، عقب رحلات كريستوفر كولومبوس، بذور الفلفل الحار من قلب الأمازون إلى أوروبا، ومنها انطلق ليغزو مطابخ آسيا وأفريقيا. واليوم، يتربع هذا المحصول الذي ينتمي لجنس الفليفلة (Capsicum) على عرش النكهات العالمية، ويُحتفى به سنوياً في 16 يناير/كانون الثاني بوصفه “اليوم العالمي للفلفل الحار”، تقديراً لتنوع أصنافه التي تتدرج من البرودة الحلوة إلى الحرارة الفائقة التي تقاس بمقياس سكوفيل.

الفلفل الحار: من نكهة غذائية إلى رمز حضاري

في كتابها فن الطهو والأنثروبولوجيا، تقدم الكاتبة الفلبينية جوي آداون قراءة تتجاوز البعد الحسي للطعام، معتبرة أن الفلفل الحار في الثقافة المكسيكية ليس مجرد عنصر لإضفاء النكهة، بل أداة اجتماعية تسهم في تشكيل الهوية. فقد ارتبط الفلفل الحار في المخيال الشعبي بمعاني القوة والصلابة وإثبات القدرة لدى الرجال، كما اكتسب دلالات رمزية مرتبطة بالطاقة والنشاط لدى النساء، لتتحول الحرارة إلى لغة ثقافية تعبر عن المكانة والحيوية داخل المجتمع.

التوظيف العلاجي والذاكرة الثقافية

وتتلاقى هذه الرؤية مع ما تطرحه الباحثة في أنثروبولوجيا الطعام رانيا هلال، التي تشير إلى أن علاقة الإنسان بالفلفل الحار تمتد إلى ما يزيد على ستة آلاف عام، منذ أن عرفته شعوب الأميركتين قبل انتقاله إلى بقية العالم. ولم يكن انتشاره الواسع محصورًا في قيمته الغذائية، بل ارتبط بخصائص عملية ووظيفية، من بينها قدرته على المساهمة في حفظ الأطعمة في البيئات الحارة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة.

إعلان

كما دخل الفلفل الحار في ممارسات الطب التقليدي لدى عدد من الثقافات، حيث استخدم، غالبًا عند مزجه بمكونات مثل الثوم والزنجبيل، في وصفات شعبية لمواجهة الالتهابات وتخفيف بعض الآلام كالصداع ومشاكل المفاصل. وتبرز هذه الاستخدامات بوضوح في الفلسفات الطبية التقليدية، خاصة في شبه القارة الهندية، مع التأكيد على أنها ممارسات تراثية لا تعد بديلًا عن العلاج الطبي الحديث.

شكّلت التوابل سلعا استراتيجية رسمت طرق التجارة الكبرى وأسهمت في صناعة النفوذ في العالم القديم (بيكسلز)

الفلفل بين المناخ والهوية الشعبية

ولا يقتصر حضور الفلفل الحار على الجسد، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي والهوية الغذائية للشعوب. ففي مصر، على سبيل المثال، أصبحت “الشطة” عنصرًا ملازمًا لطبق الكشري، وتحولت جودتها وتوازنها إلى معيار غير معلن لتفوق المحال الشعبية، ما يعكس حضور الفلفل الحار في الثقافة اليومية بوصفه جزءًا من الذائقة العامة.

وفي البيئات الباردة، اكتسب الفلفل الحار أهمية إضافية، إذ تسهم مادة الكابسيسين الفعالة فيه في تحفيز الدورة الدموية ومنح إحساس بالدفء عبر رفع معدل التمثيل الغذائي، وهو ما جعله خيارًا شائعًا في مطابخ تلك المناطق، أحيانًا أكثر تأثيرًا من الأطعمة الدسمة عالية السعرات.

التدرج في الحدة: مقياس للتحمل

وتشير الدراسات الأنثروبولوجية والغذائية إلى أن التنوع الكبير في أصناف الفلفل الحار يعكس تنوعًا في التجربة الإنسانية مع الألم واللذة. فبينما يعد فلفل الهالبينو متوسط الحدة وفق مقياس سكوفيل، كشفت الأبحاث الحديثة عن سلالات شديدة الحرارة مثل “كارولاينا ريبر”، التي تفوقه بمئات المرات من حيث إحساس بالحدة، ما يعيد طرح أسئلة حول حدود التحمل الجسدي ودلالات اختيار الطعام في الثقافات المختلفة.

الفلفل الحار والشوكولاتة: نقيضان في “كيمياء اللذة”

يمنح الفلفل الحار محبيه إحساساً بالمتعة يشبه إلى حد كبير الشعور الذي تختبره أدمغة عشاق الشوكولاتة. فبعد تناول “الشطة”، يصف كثيرون حالة من النشوة العابرة، واليقظة، وقوة التركيز؛ وهي استجابة بيولوجية معقدة يفسرها العلم لا الذوق وحده.

توضح منصة “هيليكس” (Helix) العلمية أن الإحساس بالحرارة الناتج عن الفلفل ليس “طعماً” بالمعنى الحسي التقليدي، بل هو تنبيه عصبي تثيره مادة “الكابسيسين”. تقوم هذه المادة بتنشيط مستقبلات الألم والحرارة (TRPV1) في الجهاز العصبي، فيخدع الدماغ ويظن أن الجسم يتعرض لحريق حقيقي. وكرد فعل دفاعي لتهدئة هذا الألم المفترض، يفرز الدماغ “ترسانة” من هرمونات السعادة “الإندورفين”، وهو المسكن الطبيعي للألم في الجسم. و”الدوبامين”، الناقل العصبي المرتبط بنظام المكافأة والمتعة.

هذه الآلية تفسر سبب تشابه الشعور الناتج عن تناول الفلفل الحار مع المتعة التي تمنحها الشوكولاتة، المعروفة أيضاً بقدرتها على تحفيز إفراز الدوبامين. كما تؤثر مادة الكابسيسين في الناقل العصبي (Substance P)، المسؤول عن نقل إشارات الألم، مما يؤدي في النهاية إلى سلسلة من التفاعلات تنتهي بشعور عميق بالاسترخاء والمتعة بعد تجاوز الإحساس الأولي بالحرقة.

تحوّل الإحساس بالألم الناتج عن الفلفل إلى مكافأة عصبية تفسر تعلق البشر به عبر الثقافات (فريبيك)

هوس الفلفل الحار.. صراع الأرقام القياسية

في الولايات المتحدة، تطور هذا التفاعل البيولوجي إلى ما يشبه الهوس الجماعي، تمثل في تحديات ومسابقات عالمية. ويعد “إد كاري”، الأب الروحي لهذه الظاهرة؛ حيث استطاع عبر التهجين الزراعي المتقدم تطوير سلالة “كارولاينا ريبر” (Carolina Reaper)، التي حطمت الأرقام القياسية في موسوعة غينيس لسنوات، قبل أن يطور سلالة “فلفل إكس” (Pepper X) الأشد حرارة في العالم.

إعلان

ومع انتشار هذه التحديات، برزت أسماء مثل “جيرالد فاولر” وشركات مثل “بيبر بالاس” (Pepper Palace) التي ساهمت في نشر ثقافة الصلصات الحارقة. إلا أن هذا التنافس لم يخلُ من المخاطر؛ فقد انتهت بعض التحديات بنتائج صحية خطيرة استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً، ما أعاد فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين “المتعة الكيميائية” وبين المخاطرة بالسلامة الجسدية في ثقافة الطعام المعاصر.

 

المصدر: الجزيرة