قصة فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية

في تطور جديد يتعلق بالضفة الغربية، صدّق الكنيست الإسرائيلي في 23 يوليو/تموز 2025، على مقترح يدعو الحكومة الإسرائيلية إلى فرض سيادتها عليها، غير أن المقترح الذي تقدم به أعضاء في الائتلاف اليميني الحاكم، لا يلزم الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ القرار، غير أنه يعكس توجهاً سياسياً لترسيخ مشروع الضم.

ودعا الكنيست الحكومة الإسرائيلية إلى “العمل على بسط السيادة القانونية والقضائية والإدارية على كافّة مناطق الاستيطان، لأن ذلك يعزز أمن إسرائيل وحقها في السلام”، كما حث “أصدقاء إسرائيل حول العالم على دعم فرض سيادة إسرائيل على الضفة الغربية”.

ودانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، قرار الكنيست ورأت فيه “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتقويضاً واضحاً لحل الدولتين ولحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو/ حزيران من عام 1967”.

ولم يكن هذا القرار إلا تمهيداً لحدث سياسي كبير تمثَّل في إصدار وثيقة “إعلان الاستقلال الفلسطيني” في الجزائر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1988، على لسان ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك.

قسم مؤتمر سان ريمو للسلام، في أبريل/ نيسان من عام 1920، الإمبراطورية العثمانية وأسّس نظاماً إقليمياً جديداً على أنقاضها، بتعيين بريطانيا كدولة انتداب على فلسطين مع مهمة تتمثل في تسهيل إنشاء وطن قومي لليهود تماشياً مع وعد بلفور لعام 1917. وتم التصديق على التفويض بعد عامين من قبل عصبة الأمم، التي سبقت الأمم المتحدة، في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

وفي مارس/آذار من عام 1921، تولى الأمير عبد الله الأول، نجل الشريف الحسين بن علي الذي قاد “الثورة العربية الكبرى” ضد الحكم العثماني، حكم المنطقة الواقعة شرق نهر الأردن.

وعقب رحيل القوات البريطانية المُنتدِبة في مايو/أيار 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل، دخلت جيوش 5 دول عربية إلى فلسطين. وفي الصراع الذي تبع ذلك، وهو أول الحروب العربية-الإسرائيلية، توسّعت إسرائيل خارج نطاق الأراضي التي نص عليها مشروع التقسيم.

وكان الجيش الأردني قد دخل بقيادة الملك عبد الله الأول، إلى فلسطين نتيجة الحرب العربية الإسرائيلية حيث سيطر الأردن على الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وكانت الضفة الغربية إحدى المناطق التي خُصصت لتكون دولة عربية بموجب خطة تقسيم فلسطين التي أصدرتها الأمم المتحدة عام 1947. ووفقاً لتلك الخطة، كان من المفترض أن تكون القدس منطقة دولية، لكن المدينة قُسّمت بدلاً من ذلك إلى قطاع تحت السيطرة الإسرائيلية في الغرب وقطاع تحت السيطرة الأردنية في الشرق.

أما الدولة العربية التي كان من المفترض إنشاؤها وفق خطة التقسيم، فلم ترَ النور قط، وتم ضم الضفة الغربية رسمياً إلى الأردن في 24 أبريل/نيسان 1950، إلا أن هذا الضم لم تعترف به سوى بريطانيا وباكستان.

والضفة الغربية هي منطقة من أراضي فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني (1920–1947)، وتقع غرب نهر الأردن، وقد ضمتها المملكة الأردنية الهاشمية من عام 1949 حتى عام 1988، وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، وتُعرف هذه المنطقة، باستثناء القدس الشرقية، داخل إسرائيل بالاسم التوراتي: يهودا والسامرة.

وفي ديسمبر/ كانون الأول من عام 1948، عُقد مؤتمر أريحا بمشاركة وجهاء فلسطينيين، حيث أُعلن قبول الحكم الأردني، وتم ضم الضفة الغربية رسمياً إلى الأردن في 24 أبريل/ نيسان من عام 1950، فيما عُرف بـ “وحدة الضفتين”، ومُنح سكان الضفة الجنسية الأردنية.

وحول قرار الضم، يقول الدكتور ليث كمال نصراوين، لبي بي سي: “إن الوحدة بين الضفتين كان هدفها الأساسي دعم القضية الفلسطينية، كما تشير إلى ذلك الظروف الدستورية والتاريخية التي رافقت تلك الحقبة الزمنية”.

ويضيف بأن عبدالله الأول “قام بإقالة حكومة توفيق أبو الهدى وكلّفه بإعادة تشكيلها على أن يضم لحكومته وزراء من الضفة الغربية”.

ومن ناحية أخرى، واجهت فكرة الوحدة بين الأردن والضفة الغربية انتقادات من بعض الفلسطينيين وبعض الدول العربية، التي رأت أن الأردن تعامل مع الضفة كأرض أردنية دون إعطاء الفلسطينيين هوية سياسية مستقلة.

واستمرت الإدارة الأردنية للضفة الغربية حتى حرب يونيو/حزيران من عام 1967، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية، مما تسبب بنزوح حوالي 300 ألف فلسطيني.

وقد ازداد الوضع تعقيداً بعد حرب 1967 حيث تم خلق واقع جديد لم يعد فيه الأردن يسيطر فعلياً على المنطقة، رغم استمراره في التمسك بشرعيته القانونية، وظلت المملكة تصرُف الرواتب وتدير التعليم والمؤسسات الدينية في الضفة، فيما ظل الفلسطينيون يحملون الجنسية الأردنية، في انتظار ما ستسفر عنه التسويات الدولية.

بين عامي 1967 و1987

وكانت هناك أحداث أخرى قد مهدت لهذا القتال، تمثلت في قيام فصيل فلسطيني هو “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” بسلسلة من عمليات خطف الطائرات.

ومع دعم سوريا للمسلحين، كانت حوادث الاختطاف بمثابة الفتيل الذي فجّر الوضع المتأزم أصلًا.

وفي ذلك الوقت، ندد الملك حسين في مقابلة مع صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية بالخاطفين ووصفهم بـ “عار العالم العربي”.

كما حذر من أنه إذا لم يحترم مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات وقف إطلاق النار “فسوف يتحملون العواقب”.

وكانت سوريا تدعم المنظمات الفلسطينية التي تمكنت من السيطرة على أجزاء من الأردن حتى تمكن الجيش الأردني من تدمير قواعدها فيما عرف لاحقاً بأحداث أيلول الأسود.

وكانت مدينة الزرقاء، التي تسيطر على طرق الإمداد إلى شمال البلاد، مسرحاً لقتال عنيف أيضاً.

وكانت هناك ادعاءات متضاربة بالنصر حيث قالت إذاعة عمان إن الجيش الأردني يسيطر على ثلاثة أرباع العاصمة، فيما قالت مصادر فلسطينية إن المسلحين يسيطرون على المدينة بأكملها.

وأُغلق المطار والحدود، وعُطلت خطوط الاتصالات. وتم تداول أنباء أن القوات الأردنية اقتحمت مقر منظمة التحرير الفلسطينية، لكن مكان وجود ياسر عرفات لم يكن معروفاً حينها، ويعتقد أنه كان موجوداً في سوريا.

ودعا الاتفاق، الذي تم توقيعه في قمة طارئة بالعاصمة المصرية القاهرة، إلى وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب جميع القوات من المدن الأردنية.

ووقع على الاتفاق 8 من قيادات الدول العربية الأخرى خلال قمة ترأسها الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر في محاولة لإنهاء الأزمة.

ومنذ أحداث عام 1970، بدأت تتشكل مسافة سياسية متنامية بين الطرفين، وبرزت بشكل جلي في مؤتمر القمة العربي في الرباط عام 1974، حيث تم الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

وفي ديسمبر/ كانون الأول من عام 1987، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد عكست الانتفاضة رغبة الفلسطينيين في الاستقلال الوطني، مما زاد الضغط على الأردن لإعادة تقييم علاقته بالضفة، فرأى الملك حسين أن استمرار الارتباط الإداري والقانوني قد يعيق الجهود الفلسطينية لإقامة دولة مستقلة، خاصة مع الاعتراف العربي بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

 

المصدر: BBC