كيف استخدم ملوك مصر القديمة الفن “أداة حكم” سياسية ودينية؟

لعب الفن في مصر القديمة دوراً محورياً تجاوز حدود الجمال والزخرفة، ليصبح “لغة” رمزيّة فعّالة تعبّر عن السلطة والإيمان والهوية الجمعية؛ فلم يكن النحت والرسم والنقش الفني مجرد أعمال تستوحي موضوعها من الخيال، بل وسيلة تواصل تنقل من خلالها الدولة أفكارها، وتُكرِّس مفاهيمها، وتُرسّخ شرعيتها السياسية والدينية أمام الشعب والإله على حدّ سواء.

استخدم الملوك الفن كأداة سياسية، وظهروا من خلاله بصورة مثالية، وقدَّموا أنفسهم كأبناء للإله أو كممثلين للعدل والنظام على الأرض، وبنفس المنطق والقوة وظّفه الكهنة ورجال الدين لتسجيل تفاصيل الطقوس الإيمانية، وتمجيد الإله، وتأكيد الروابط الروحية بين الناس والمقدّس، وترسيخ سلطتهم الدينية، وهكذا أصبح الفن مرآة حقيقية و”لغة تواصل” داخل المجتمع المصري القديم، يُترجم قِيَمَه ويُدوِّن رؤيته للعالم الأرضي والسماوي، وعالم ما بعد الموت، بوسيلة تعبيرية شاملة.

وغطى الفن المصري القديم مرحلة امتدت لما يزيد على أربعة آلاف عام، ونستعرض هنا سر هذه الاستمرارية الأساسية في وسائل التعبير، ونسعى للإجابة عن تساؤلات من بينها: ما هي فلسفة ودوافع هذا التنوع الفني الهائل لدى المصري القديم بأساليب مختلفة؟ ولماذا بُنيت تلك الصروح الأثرية بأحجام شامخة؟ ولماذا حرص الملوك على نحت تماثيل عملاقة لهم ووضعها في واجهة المعابد الدينية؟ وما سر اجتهاد الفنان في رسم ونقل حركات وايماءات من الحياة اليومية ومشاهدها على جدران المعابد والمقابر؟

“الفن في خدمة الفكرة”

وتجلّت دوافع وفلسفة الفن بوضوح في العديد من الآثار التي لا تزال شاهدة على ذكاء حضاري، فعلى جدران معبد الكرنك، على سبيل المثال، نجد نقوشاً تمجّد انتصارات الملك تحتمس الثالث (1479-1424 قبل الميلاد)، وهي نقوش استُخدمت لترسيخ هيبته وسلطته بوصفه حاكماً مختاراً من الإله، وهو ما يعبّر عن الوظيفة السياسية والدينية للفن في آن واحد.

كما تعكس تماثيل رعمسيس الثاني (1279-1212 قبل الميلاد) في معبد أبو سمبل مفهوم القوة الإلهية، إذ صُوّر الفرعون بهيئة جبارة تمزج بين الإنسان والإله، في تجسيد لفكرة الحكم الإلهي.

كما وظف الملك رعمسيس الثاني الفن في التعبير عن مكانة محبوبته وزوجته الملكة نفرتاري في مقبرتها في وادي الملكات، وظهر البُعد الجنائزي والديني للفن في أبهى صوره، حيث تزيّنت جدران المقبرة بمناظر تُظهر الملكة وهي يستقبلها الإله في العالم الآخر، في تصوير يهدف إلى تأمين خلود روحها.

“الفن في خدمة الملك”

كشف لنا المجتمع المصري القديم عن مكوناته وعناصره المتباينة بواسطة النقوش البارزة والتماثيل والرسوم، والتي تعتبر بمثابة معرض تصوير ضخم عن الملوك وكبار شخصيات تلك الفترة بأكملها، بالإضافة إلى القادة العسكريين وكبار أفراد الشعب المصري. وبفضل الفن، أُحطنا علماً كذلك بالشعوب الأجنبية، وسهل علينا تمييزها من خلال خصائصها العرقية وملابسها وصفاتها المختلفة.

وتصف نينا ديفيز في دراستها “مختارات من فن التصوير المصري القديم”، نقلا عن موسوعة الحضارة المصرية القديمة لسمير أديب، الفن المصري بأنه “له في أعماله تقاليد خاصة تبرز النواحي التي يريد الإفصاح عنها، والتعبير عن مدلولها بأيسر وسائل الأداء، في الرسم واللون والتوزيع والاتزان والتنسيق. فتجد الصورة الجميلة تدعوك إلى مشاهدتها وترغمك على الإعجاب بها بالشكل والوضع والروحية التي أرادها لها صانعوها، في الوقت الذي تخالف فيه هذه الصورة في جوّها وتكوينها ما يألفه المرء في الفنون المعاصرة”.

كما استخدم الفن في تصوير الإله والملوك أوضاعاً محددةً بغية توجيه رسالة تنم على مكانتهم وفي أيديهم إمارات الشرف مثل “الصولجان” و”العصا الطويلة”، وذلك بحيث لا يخفي جزء من الجسم جزءاً آخر أو يقطعه.

ويضيفان: “طريقة تقديم (تصوير/تمثيل) الشيء، هي نفسها حقيقة هذا الشيء. فهذا التقديم، الذي لا تنطبق عليه قواعد المنظور، خلق أعرافاً فنيةً ذات قوة إلزام إجبارية” لمن يراها.

ويُعَدّ توحيد القطرين، الوجه البحري والوجه القبلي، على يد الملك نعرمر (حوالي 3150 قبل الميلاد) نقطة تحول مفصلية في التاريخ المصري القديم، وقد لعب الفن دوراً محورياً في تخليد هذا الحدث المهم وتأكيد رمزيته السياسية والدينية.

وسُجّل الحدث على صلاية من حجر الشست الإردواز، تعرف بصلاية نعرمر الشهيرة، والتي تُعدّ واحدة من أقدم الأعمال الفنية الرمزية في تاريخ الحضارة المصرية، حيث تُصوّر الملك نعرمر وهو يضرب أعداءه، ويرتدي في أحد وجهي اللوحة التاج الأبيض لمصر العليا، وفي الوجه الآخر التاج الأحمر لمصر السفلى، في دمج بصري قوي يرمز إلى وحدة أرض مصر تحت سلطانه.

كما امتلأت رموز اللوحة ومكوناتها بإشارات بصرية دقيقة تعبّر عن القوة والسيطرة الإلهية، مثل ظهور الإله حورس، وتجسيد الأعداء في هيئة مقهورة، مما يدل على أن توحيد قُطريّ البلاد لم يكن مجرد نصر سياسي، بل قُدَّم كفعل مقدّس برعاية الإله، وهكذا أصبح الفن في هذه الحقبة أداة بارعة لترسيخ صورة الملك كمُوحِّد ومُنقذ للبلاد، وجاءت رموز الوحدة مؤكدة على أن الملك ليس فقط حاكماً، بل هو الضامن للنظام الكوني والنظام السياسي في آنٍ واحد.

ويقول الفرنسيان كريستيان زيغلر وجان لوك بوفو: “كل تقاليد وأعراف الفن المصري موجودة هنا (في صلاية نعرمر)، وهناك كذلك الدليل على مولد الكتابة، هذا الدليل هو ذلك الشيء الذي يصور العلاقة الوثيقة التي تربط بين الصورة والكتابة. وهناك كذلك إدراج أو إدخال كل العلاقات التي تدخل في تكوين الفضاء، أو الحيز الذي يشغله التشكيل الفني”.

كما لعب الفن دوراً بوصفه أداة رئيسية لتأكيد شرعية حكم الملك الفرعون وإضفاء طابع إلهي على سلطته، فلم يكن تصوير الملوك عشوائياً، بل كان محسوباً بدقة ليُظهر الملك دائماً في صورة مثالية: شاباً، قوياً، مهيباً، وأكبر من أعدائه أو تابعيه حجماً، كما ذكرنا.

فعلى جدران المعابد، كان يُصوَّر الملك وهو يهزم الأعداء بـ “يد واحدة”، في دلالة فنية رمزية على قوته الخارقة وحمايته لأرض مصر، وأبرز مثال على ذلك، رسوم معركة “قادش” الشهيرة في عهد رعمسيس الثاني، والتي صُوّرت على جدران معبد أبو سمبل، وعلى الرغم من أن النتيجة الفعلية للمعركة كانت غير حاسمة تاريخياً، إلا أن الفن هنا لم يسجل الحقيقة فحسب، بل شكّل رواية سياسية تخدم صورة الفرعون كبطل منتصر لا يُهزم.

كما استخدم الملوك تماثيلهم الموضوعة أمام المعابد، مثل تماثيل رعمسيس الثاني في أبو سمبل، لإظهار الهيبة والسيطرة على المناطق الجنوبية للبلاد، وإرهاب الشعوب المجاورة وإبهارهم بحجم وقوة مصر ممثلةً في ملكها، فجاء هذا النوع من الفن المعماري ليس بهدف التعبير عن الجمال، بل كان رسالة سياسية حاسمة في الداخل والخارج.

وكان الملوك يتحكمون في كيفية تسجيل الأحداث، وبالتالي استخدموا الفن كوسيلة لكتابة “التاريخ الرسمي” بالطريقة التي تخدمهم، فعلى جدران المعابد، لم تكن تُسجل الهزائم أو الصراعات الداخلية، بل فقط الانتصارات والمشاريع المعمارية العظيمة والقرابين المقدمة للإله، ومن خلال هذا التوثيق الفني، جرى بناء سردية تُعظّم الحاكم وتُخفي نقاط ضعفه، مما رسّخ في الأذهان صورة محددة “لا تقبل الشك” لكونها منقوشة على حجارة المعابد وتُعرض في أقدس الأماكن.

وتميّز عهد الملك رعمسيس الثاني، على سبيل المثال، باستخدام مكثّف للفن كوسيلة سياسية ودينية هدفها ترسيخ صورته كحاكم قوي، شبه إلهي، يتمتع بعلاقة خاصة مع الإله، ويحكم بتفويض إلهي مباشر.

ولم يكن الفن موجّهاً للناس فقط، بل كان يُستخدم أيضا لإيصال رسائل ملكية إلهية، وكأن الفن نفسه وسيلة تواصل سماوية، فكانت المعابد تمتلئ بالنقوش التي تُظهر الملك وهو يُقدّم القرابين للإله، للتأكيد على علاقته المباشرة به ودوره كوسيط بينه وبين الشعب، هذه المشاهد كانت تحمل في طيها رسائل سياسية بمذاق ديني موجهة للشعب أيضاً، تفيد بأن طاعة الملك تعني طاعة الإله، وتعني عدم الطاعة خروجاً عن النظام الكوني المقدس المعروف بـ”ماعت”، وبالتالي، أصبح الفن جزءاً لا يتجزأ من منظومة تثبيت السلطة وتقديسها في نظر الناس.

وتُعدّ الملكة حتشبسوت (1472-1457 قبل الميلاد) أبرز مثال على استخدام الفن لتعزيز شرعية الحُكم في مصر القديمة بأسلوب مزج الدنيوي المتعارف عليه بالديني المقدس، لا سيما وأنها تولّت العرش في سياق غير تقليدي بصفتها امرأة في منصب كان يحتكره الرجال.

فمنذ بداية حُكمها، حرصت حتشبسوت على توظيف الفن بكل عناصره لترسيخ صورتها كأنها “ملك فرعون شرعي”، وليست وصية على العرش، فقد صوّرت نفسها في التماثيل بزيّ الملوك الرجال، مرتديةً التاج الملكي واللحية المستعارة، وبتكوين جسدي يُقارب الصورة التقليدية للملك الفرعون الرجل، وذلك لكسر الحاجز بين جنسها “الأنثوي” وطبيعة المنصب أمام الشعب.

كما زُيّنت جدران معبدها الشهير في الدير البحري بمشاهد تصويرية تُظهِر دعم الإله آمون لها، وقصص أسطورية تُثبت نسبها الإلهي، مثل نقش شهير يعرف بمشهد “الميلاد الإلهي”، الذي يُصوّرها كابنة مباشرة من صُلب الإله، في محاولة لتقديم شرعية دينية تُعزز مكانتها السياسية، وهكذا سخّرت حتشبسوت الفن كأداة ذكية لإعادة تشكيل تصور المجتمع عن الحُكم والهوية، وضمان استمرار سلطتها وسط نظام تقليدي صارم.

 

المصدر: BBC