في 8 يناير/كانون الثاني الماضي، وتزامنا مع احتجاجات داخلية؛ شهدت إيران قيودا واسعة على شبكة الإنترنت أدت إلى انقطاع شبه كامل عن الشبكة العالمية.
لم يكن تقييد الاتصالات في أوقات الأزمات سابقة استثنائية، لكن ما جعل تلك اللحظة علامة فارقة هو بروز مسار اتصال بديل تخطى البنية التحتية المحلية، عبر آلاف المحطات اللاقطة لخدمة “ستارلينك” الفضائية التي نشطت داخل البلاد.
هذا المشهد لم يكن مجرد تجاوز تكنولوجي، بل مثل إعلانا واضحا بتحول المدار الأرضي المنخفض من ساحة لتقديم الخدمات التجارية إلى جبهة جيوسياسية جديدة ومفتوحة.
فالجهة التي تمتلك القدرة على تشغيل أو تعطيل شبكة مدارية فوق دولة ما، تمتلك عمليا “حق الفيتو” على تدفق معلوماتها في اللحظات المفصلية، وهو ما يجعل من مشاريع مثل ستارلينك أداة سيادية، توازي في بعض جوانب تأثيرها سلطة الدول، حتى حين تكون في يد شركة خاصة.
النموذج الإيراني
لم تواجه طهران في يناير/كانون الثاني الماضي معارضة على الأرض فحسب، بل اشتبكت مع تسلل ترددي عابر للحدود.
وبحسب تقرير لموقع “ديفينس سيكوريتي آسيا” (Defence Security Asia)، ردت إيران بتفعيل أنظمة إلكترونية متطورة للتشويش على إشارات الأقمار الصناعية.
وينقل التقرير عن أمير رشيدي -مدير الحقوق الرقمية في منظمة ميان- وصفه لحجم الهجوم بأنه “غير مسبوق خلال 20 عاما من مراقبة الوصول إلى الإنترنت”.
وتوضح تحليلات الخبير التقني زاك دوفمان أن التشويش الإيراني نجح في تفتيت الاتصال، مع تعطيل ما يصل إلى 80% من حركة مرور ستارلينك.

تفكيك السيادة
لم يقتصر الرد الإيراني على التشويش التقني، بل امتد إلى ساحات القانون والسياسة، فقد تقدمت طهران بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) الذي حكم لصالحها في نزاعها مع ستارلينك، معتبرا تشغيل الخدمة دون ترخيص انتهاكا لسيادتها، وفقا لتقرير مجلة (SpaceNews).
وعلى الأرض، فرضت السلطات عقوبات تصل إلى السجن عشر سنوات لمقتني هذه الأجهزة، وابتكرت السلطات الأمنية تطبيقات “ستارلينك” مزيفة كفخاخ رقمية لاصطياد المحتجين، وفق ما وثقته تقارير متخصصة في رصد حالة الإنترنت الإيراني.
لكن المأزق الأكبر أمام طهران لم يكن تقنيا، بل سياسيا، فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -في تصريح سابق- إنه “سيتحدث مع إيلون ماسك لإعادة الإنترنت إلى إيران”.
هذا التصريح يجسد تحولا واضحا، إذ إن رئيس قوة عظمى يطلب من مدير شركة خاصة استخدام سلاحه المعلوماتي ضد دولة أخرى، مما يحول ستارلينك صراحة إلى أداة لسياسة التدخل الأمريكية.

إيلون ماسك.. الفاعل الجيوسياسي
هذه القوة غير الخاضعة للرقابة تتجلى بوضوح خارج إيران. ففي أوكرانيا، وكما كشفت مجلة “فورين بوليسي”، رفض ماسك تفعيل التغطية فوق مناطق معينة حين طلبت أوكرانيا ذلك، مما أدى إلى إحباط عملية عسكرية.
وفي فنزويلا، وفرت ستارلينك الإنترنت مجانا بشكل مؤقت بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، مما أتاح للفنزويليين الالتفاف على الرقابة الحكومية، في ترجمة عملية لكيف يمكن لبنية تحتية خاصة أن تصبح أداة نفوذ في سياسة واشنطن الخارجية.
وفي قطاع غزة، تتجلى الازدواجية بوضوح، فبينما تتجاوز الخدمة البنية التحتية الرسمية في دول كإيران، نجدها تمتثل لاشتراطات سيادية في نزاعات أخرى.
ووفقا لوكالة رويترز، أعلن ماسك في منتصف 2024 تفعيل ستارلينك في مستشفى ميداني إماراتي داخل القطاع، لكن هذه الخطوة -رغم طابعها الإنساني- لم تتم إلا بعد أشهر من الانتظار للحصول على موافقة صريحة من إسرائيل.
كما كشفت منصة “تيك بوليسي” (TechPolicy Press) أن ستارلينك أقدمت طوعا على تعطيل أكثر من 2500 محطة في ميانمار، دون طلب من الحكومة المحلية أو معرفة بيانات موقعية دقيقة للحد من نشاط شبكات الاحتيال.
هذا التصرف يثبت أن القدرة التقنية على الإغلاق الموجه موجودة، وأن قرار عدم إغلاقها في إيران، أو إيقافها في أوكرانيا وميانمار، أو اشتراط الموافقة في غزة، هو قرار “سياسي وتجاري” بحت، تتخذه الشركة لا الدول.
وفي هذا السياق، تجادل الخبيرة التشيلية فيكتوريا فالديفيا سيردا -في حديث لموقع إنترناشونال ريسك- قائلة: “لم يعد بإمكاننا النظر إلى إيلون ماسك كشخص فاحش الثراء فحسب، بل تجب مراقبته كفاعل جيوسياسي”.

“استقطاب مداري”
أمام هذا التطور، وفي ظل تصاعد اللجوء إلى قطع الإنترنت، إذ سجل عام 2024 وحده 296 عملية قطع في 54 دولة بحسب مقال لجبينجا سيسان في مؤسسة كارنيغي، أدركت القوى العالمية خطورة ترك مفاتيح الفضاء في يد طرف واحد.
وفي دراسة بعنوان “الصين في السباق نحو المدار المنخفض”، يوضح الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية مارك جوليان أن بكين أسست مدينة أقمار صناعية “غوو وانغ” (Guowang) تضم نحو 13 ألف قمر صناعي لمنافسة ستارلينك.
الهاجس ذاته يسيطر على أوروبا، إذ يظهر مشروع “إيريس 2” (IRIS2) الأوروبي كمسعى لخلق بنية تحتية مدارية سيادية تضمن للاتحاد الأوروبي اتصالات مشفرة ومستقلة وبعيدة عن الشركات الأمريكية.
هذا السباق يحوّل الفضاء إلى معسكرين (شرقي وغربي)، وسيجبر الدول على اختيار أحد الجانبين، وهنا لا تعود الأقمار الصناعية مجرد وسيلة للإنترنت، بل تصبح أداة تمنح القوى الكبرى نفوذا داخل الدول، حيث تنشأ مناطق تواصل مستقلة تماما عن سيطرة الدولة، وكأنها دولة داخل الدولة لكن في الفضاء الرقمي.

من يمتلك المفتاح؟
في المحصلة، توضح ورقة موقع “تيك بوليسي” (TechPolicy Press) أن إسكات شبكات الفضاء لا يعني فشل التكنولوجيا، بل يثبت تفوق الجهة التي تتحكم في البنية التحتية، سواء كانت حكومة تشوّش على الموجات، أو شركة تفصل الخدمة بضغطة زر.
ويختزل الباحث المساعد في مركز دراسات الفضاء والأمن مصطفى بلال الإشكالية برمتها بقوله إن ما حدث قد يمثل نقطة التحول التي فقدت فيها شبكة الإنترنت صفتها كـ”مُشاع عالمي”.
والسؤال الحقيقي اليوم لم يعد كيف نبقى متصلين في الأوقات الصعبة والاستثنائية، بل: في يد من سيكون المفتاح؟ وبأي قانون ستحاسب تلك اليد؟
المصدر: الجزيرة