كيف تختار الطريقة الأذكى لطهي السمك دون أن تفقد فوائده؟

في وقت لم يعد فيه الطعام الصحي مجرد خيار عابر، بل جزءا أساسيا من أسلوب الحياة، يتصدر السمك قائمة الأغذية التي يوصي بها خبراء التغذية حول العالم. فهو وجبة تجمع بين الخفة والقيمة الغذائية العالية، ويزود الجسم ببروتين عالي الجودة، إلى جانب أحماض دهنية مفيدة ومجموعة من الفيتامينات.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الفوائد قد تتعزز أو تتراجع تبعا لطريقة الطهي. فبين حرارة الشواء وزيت القلي وبخار الطهو الهادئ، يتحدد ما إذا كانت وجبة السمك ستشكل دعما حقيقيا للصحة أم ستفقد جزءا كبيرا من قيمتها الغذائية. ومن هنا تبرز أهمية اختيار الطريقة الأمثل لطهي السمك، تلك التي تحافظ على عناصره الحيوية وتقلل المخاطر الصحية، دون التفريط في المذاق أو سهولة التحضير.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2ليست مجرد سكريات.. لماذا يُحذر الخبراء من تناول الموز البني؟
  • list 2 of 2وداعا لنوبات الجوع المفاجئة.. وجبات تحافظ على شهيتك مستقرة طوال اليوم

end of list

لماذا يعد السمك خيارا غذائيا استثنائيا؟

قبل التطرق إلى أفضل طرق الطهي، من المهم فهم الأسباب التي تجعل السمك من أكثر الأطعمة فائدة للصحة. فالأسماك الدهنية، مثل السلمون والتونة والسردين، تعد مصدرا غنيا بأحماض أوميغا 3 الدهنية، التي تلعب دورا مهما في حماية القلب والأوعية الدموية، وتحسين الوظائف الإدراكية، والمساعدة على تقليل الالتهابات في الجسم. كما يحتوي السمك على كميات جيدة من فيتامين (دي)، الذي يسهم في تقوية العظام وتعزيز الجهاز المناعي.

ولهذه الأسباب، توصي المنظمات الصحية العالمية بتناول الأسماك مرة إلى مرتين أسبوعيا على الأقل.

غير أن هذه الفوائد الصحية لا تتحقق بمجرد تناول السمك، بل تعتمد إلى حد كبير على طريقة تحضيره وطهيه. فبعض أساليب الطهي قد تؤدي إلى تدمير عناصر غذائية مهمة، في حين تساعد طرق أخرى على الحفاظ عليها، بما يجعل الوجبة صحية ولذيذة في الوقت نفسه.

كيف تؤثر طريقة الطهي في القيمة الغذائية؟

أظهرت دراسات غذائية متعددة أن طرق الطهي المختلفة تؤثر بشكل مباشر في محتوى الأطعمة من الفيتامينات والدهون الصحية. فالتعرض لدرجات حرارة مرتفعة لفترات طويلة قد يغير المحتوى الغذائي والتركيب الكيميائي لبعض العناصر، ما يجعل اختيار طريقة الطهي لا يقل أهمية عن اختيار نوع السمك ذاته.

إعلان

وفي دراسة أجريت في معهد التغذية بجامعة ماهيدول في تايلاند، ونشرت عام 2022، تم فحص محتوى فيتامين (د) في عدة أنواع من الأسماك بعد طهيها بطرق مختلفة، مثل السلق والقلي والشواء. وأظهرت النتائج تفاوتا واضحا في قدرة هذه الطرق على الاحتفاظ بفيتامين د، ما يؤكد أن أسلوب الطهي يؤثر فعليا في القيمة الغذائية للفيتامينات الموجودة في السمك.

كما خلصت دراسة أخرى أجريت في جامعة أوردو التركية ونشرت في المجلة الدولية لعلوم وتكنولوجيا الأغذية (International Journal of Food Science and Technology) إلى أن طرق الطهي المختلفة تؤثر في أكسدة الدهون وجودتها، الأمر الذي يغير من تركيبة الأحماض الدهنية المفيدة. وأكدت الدراسة أن استخدام درجات حرارة معتدلة يساعد على الحفاظ على القيمة الغذائية مقارنة بالطرق التي تعتمد على حرارة عالية.

الشوي والتعرض المباشر للنار

يعد الشوي من الطرق الشائعة والمفضلة لطهي السمك، لما يمنحه من نكهة مميزة، إلا أنه قد يكون سلاحا ذا حدين. فالطهي على لهب مباشر أو تحت درجات حرارة مرتفعة جدا قد يؤدي إلى تكون مواد ضارة ناتجة عن الاحتراق الشديد، ما قد يزيد من المخاطر الصحية عند تكرار التعرض لها.

لذلك ينصح بتقليل مدة الشواء، واستخدام حرارة متوسطة، وتجنب احتراق السمك أو تفحمه، بهدف الحفاظ على نكهته وتقليل التأثيرات غير المرغوبة على الصحة.

في دراسة أجريت في معهد التغذية بجامعة ماهيدول في تايلاند ونشرت عام 2022، فحص محتوى فيتامين د في عدة أنواع من الأسماك بعد طهيها بطرق مختلفة مثل السلق والقلي والشواء، ووجدت اختلافات في الاحتفاظ بفيتامين د بين الطرق المختلفة، مما يدل على أن طريقة الطهي تؤثر فعليا على القيمة الغذائية للفيتامينات في السمك.

وفي دراسة أخرى بجامعة أوردو التركية نشرت في المجلة الدولية للعلوم وتكنولوجيا الأغذية، أظهرت النتائج أن طرق الطهي المختلفة تؤثر على أكسدة الدهون وجودتها، مما يغير من تركيبة الأحماض الدهنية المفيدة في السمك، مؤكدة أن اختيار طرق طهي معتدلة الحرارة يمكن أن يحافظ على القيمة الغذائية أكثر من الطرق ذات الحرارة العالية.

القلي العميق.. أسوأ الخيارات

يعد القلي العميق من أقل الطرق الصحية لطهي السمك، إذ إن استخدام كميات كبيرة من الزيت لا يرفع السعرات الحرارية فقط، بل يغير أيضا التوازن الدهني في الوجبة، حيث يزيد من الدهون غير المفيدة على حساب الدهون الصحية. كما أن قلي بعض أنواع السمك مثل التونة قد يؤدي إلى فقدان كبير في محتوى أوميغا 3 قد يصل إلى 85 بالمئة، بالإضافة إلى تقليل محتوى فيتامين (د).

كما أن امتصاص زيوت القلي الغنية بأوميغا 6 قد يخل بالتوازن الصحي للدهون في الجسم. لذلك يعد القلي العميق خيارا أقل فائدة غذائية، وإذا اضطر إليه يفضل القلي السطحي باستخدام كمية قليلة من زيت الزيتون مع تقليل مدة الطهي قدر الإمكان.

يعد القلي العميق من أقل الطرق الصحية لطهي السمك (فريبيك)

السلق والتبخير كخيار آمن

يعد السلق والتبخير من أكثر أساليب طهي السمك أمانا من الناحية الصحية، إذ لا يتطلبان إضافة دهون، ويتم الطهي فيهما على درجات حرارة معتدلة نسبيا، ما يساعد على الحفاظ على أحماض أوميغا 3 والعناصر الغذائية الحساسة، ويقلل من تكون المواد الضارة. ويتميز التبخير على وجه الخصوص بقدرته على الحفاظ على النكهة الطبيعية للسمك مع فقدان محدود للقيمة الغذائية، ما يجعله خيارا مناسبا للأشخاص الذين يتبعون أنظمة غذائية منخفضة السعرات أو يسعون إلى نمط طهي صحي ومتوازن.

الطهي في الفرن

يعد طهي السمك في الفرن خيارا متوازنا يجمع بين الحفاظ على القيمة الغذائية والمذاق الجيد. وتشير أخصائية التغذية المعتمدة في موقع “هيلث لاين” فرانزيسكا سبريتزلر إلى أن السمك المطهو في الفرن يحتفظ بنسبة أعلى من فيتامين د مقارنة بالقلي، مع فقدان أقل لدهون أوميغا 3 المفيدة. كما يتميز هذا الأسلوب بسهولة التحضير وقلة الدهون المستخدمة، مع التوصية بالاكتفاء بكمية بسيطة من زيت مستقر الحرارة عند الحاجة، وضبط درجة حرارة الفرن بشكل معتدل لتجنب جفاف السمك أو احتراقه، والحفاظ على فوائده الصحية.

يعد طهي السمك في الفرن خيارا متوازنا يجمع بين الحفاظ على القيمة الغذائية والمذاق الجيد (فريبيك)

الميكروويف والقلي الهوائي

قد يفاجئ البعض أن الطهي بالميكروويف يعد من الطرق الجيدة للحفاظ على القيمة الغذائية للسمك، وذلك بفضل قصر زمن الطهي وتقليل التعرض للحرارة المرتفعة. ويساعد هذا الأسلوب على الحفاظ على أحماض أوميغا 3 بشكل أفضل مقارنة بالقلي أو الشوي لفترات طويلة، كما يقلل من تكون المواد الضارة نتيجة اعتدال الحرارة وسرعة الطهي، ما يجعله خيارا عمليا يتناسب مع وتيرة الحياة السريعة.

إعلان

وبالمثل، يعد القلي الهوائي بديلا أخف للقلي العميق، إذ يمنح قواما مقرمشا باستخدام كمية أقل بكثير من الدهون، ويحد من امتصاص الزيت وتكون المركبات غير المرغوبة الناتجة عن إعادة استخدام الزيوت وارتفاع درجات الحرارة. لذلك، يعد خيارا أكثر توازنا لمن يرغبون في طعم قريب من القلي التقليدي مع أضرار صحية أقل.

بالطبع يختلف مذاق الأطباق باختلاف طريقة الطهي، وقد لا تكون الأساليب الأكثر صحية مثل السلق أو القلي الهوائي هي الأغنى بالنكهة مقارنة بغيرها. لكن مع استخدام تتبيلات ذكية ومتوازنة، يمكن الحصول على طعم شهي ومرضٍ دون التفريط في الفوائد الغذائية. وتذكر أن اختيارك لطريقة الطهي الصحية هو استثمار حقيقي في صحتك على المدى الطويل، ويكتمل هذا الاختيار بالحرص على انتقاء سمك طازج من مصدر موثوق، ليجتمع الطعم الجيد مع القيمة الغذائية في وجبة واحدة.

 

 

 

المصدر: الجزيرة