كانت ليلى -اسم مستعار- حاملا في شهرها الثاني عندما علمت أنها مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، في أغسطس/ آب العام الماضي.
بعد أسابيع، أنكر زوجها نسب الجنين إليه، عندما أظهرت الفحوصات أنه لا يحمل الفيروس، واتهمها أنها على علاقة بشخص آخر نقل العدوى إليها، وهو ما تنفيه ليلى.
تقول ليلى “لم يترك زوجي إنسانا إلا أخبره أنني متعايشة مع الإيدز. لم يبق إلا أن يحكي للقطط والكلاب في الشارع”.
فيروس نقص المناعة البشرية، هو عدوى تهاجم الجهاز المناعي في الجسم، مما يضعف قدرته على الدفاع عن نفسه ضد الأمراض، وينتقل عبر ممارسة الجنس بطريقة غير آمنة، والدم، والولادة.
“نواجه المرض وغياب الوعي”
“التوعية ينبغي أن تكون لكل الناس وليس للمتعايشين مع الفيروس فقط”، هذا ما تعتقده ليلى.
لم تصدق عائلها ادعاءات الزوج بأنها على علاقة برجل آخر، ودعمت مسارها القانوني لإثبات نسب ابنها.
بعد فترة عادت ليلى مع طفلها إلى منزلها في حي راق في القاهرة، حيث غادره الزوج بعد ضغط من أهلها. لكن نظرات الجيران كانت تحمل إدانة بفعل تقول إنها لم ترتكبه، كما تحكى لبي بي سي.
تقول “عشت أياما صعبة عندما اتصل بعضهم بالحجر الصحي ليحتجزني في المستشفى، خوفا من العدوى”. ثم تدخلت أسرتها لوضع حد لمضايقات الجيران.
يرجح أطباء ليلى إصابتها بالفيروس أثناء عملية جراحية أجرتها قبل زواجها عام 2019.
ولا تظهر أعراض الإصابة الفيروس بالضرورة بشكل فوري، بل يستغرق الأمر مدة قد تصل في بعض الحالات ل 10 سنوات، وفقا لوزارة الصحة البريطانية.
لكن زوجها لم يصدق أنها حملت الفيروس طوال هذه المدة دون أن ينتقل إليه.
لا تؤدي ممارسة الجنس مع شخص يحمل الفيروس إلى الإصابة بالإيدز بشكل حتمي. وفقا لموقع ستانفورد هيلث كير، التابع لجامعة ستانفورد الأمريكية، فمن الصعب حساب نسبة احتمال انتقال العدوى عند التعرض لأحد أسبابه. “قد يصاب الشخص بالعدوى من خلال ممارسة الجنس غير الآمن مرة واحدة أو قد يمارس الشخص الجنس غير الآمن عدة مرات دون أن يصاب بالعدوى”.
بدأت ليلى بتوعية الجيران، لكن الوصم ظل يلاحقها.
أعداد متزايدة
بعد تشخيص ليلى بالفيروس، وقفت في طابور أحد المستشفيات في القاهرة لاستلام العلاج مع 8 نساء اكتشفن إصابتهن في نفس اليوم. تقول إنها تتعرف كل يوم على مصابين جدد.
وتحذر المنظمة من أن المنطقة قد تواجه وباءً إقليميًا ربما يخرج عن نطاق السيطرة، إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة.
ويتفاقم هذا الخطر بعد إغلاق مكتب برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2023، بسبب نقص التمويل، وهو البرنامج المعني بتنسيق الاستجابة بين بين الوكالات الأممية والحكومات، وفقا للتقرير.
تعتقد جولدا عيد مسؤولة البرامج في منظمة فرونت لاين إيدز التي أصدرت التقرير، أنه “لا بد من الاستثمار بشكل مستدام لمواجهة الفيروس. كما أن هناك حاجة ماسة لتنسيق سياسي أقوى لمواجهة الفيروس”.
وتشكو عيد من نقص بيانات المحدثة والدقيقة، وهو ما يصعب الاستجابة بشكل صحيح.
كما أن تجريم بعض الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس يلعب دورا إضافيا في ضعف الاستجابة، كما تؤكد عيد. “الآن بعض الجمعيات تواجه خطرا قانونيا عندما تقدم دعمها لمثليي الجنس ومتعاطي المخدرات والأشخاص العابرين جندريًا، المعرضين أكثر من غيرهم للإصابة بالإيدز”.
دعم خاص للنساء
تشعر ليلى بالارتياح لأن حالتها باتت مستقرة، وبأن لديها الوعي بكيفية التعامل مع الفيروس، بفضل الأطباء الذين يتابعون حالتها، بالإضافة لمجموعة مغلقة انضمت إليها على فيس بوك.
تدير روزا- 45 عاما- هذه المجموعة، وهي إحدى شريكات منظمة فرونت لاين إيدز في مصر، وتحمل الفيروس أيضا منذ أكثر من عشرين عاما.
دعم النساء أولوية بالنسبة لها. تقول “عندما كنت ألقي أحد التدريبات في اليمن قبل نحو 15 عاما، وقالت لي إحدى المشاركات: أريد أن أقتل زوجي الذي نقل إلى الفيروس. منذ ذلك اليوم قررت أن أركز مجهودي على دعم المتعايشات مع الإيدز”.
الدعم النفسي مرتبط بالتمويل
“قبل أن أتعرف على متعايشين آخرين مع الإيدز، شعرت أنني الوحيدة في العالم التي تحمل الفيروس”، تحكي روزا لبي بي سي.
لكنها كانت محظوظة، لأنها كانت من بين أول 20 شخصا اكتشفوا إصابتهم وانضموا لبرنامج الحملة القومية لمكافحة الإيدز في مصر، وهي حملة حكومية، كانت في أوج نشاطها في ذلك الوقت كما تحكى لبي بي سي.
الآن يبلغ عدد حاملي الفيروس نحو 30 ألفا في مصر، وفقا لوزارة الصحة المصرية، وبرنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز .
تركز الخدمة الطبية الحكومية في مصر حاليا على تقديم الدواء بشكل مجاني، كما هو الحال في لبنان ودول أخرى في المنطقة، لكن الدعم النفسي والاجتماعي يتراجع بسبب صعوبات التمويل في هذه البلدان.
يظل الدعم الذي تقدمه روزا عبر مجموعتها محدودا، مقارنة بما تلقته بعد إصابتها قبل 21 عاما. فهي تقدم التوعية، وتنظم أنشطة ترفيهية، ورش أعمال يدوية لتساعد أعضاء المجموعة على ممارسة حياتهن بشكل طبيعي.
يشير تقرير منظمة” فرونت لاين إيدز” إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “تعاني من نقص في تمويل مشاريع مكافحة نقص فيروس نقص المناعة البشرية تصل نسبته إلى 85%، وأنها تتلقى أقل من 1% من إجمالي استثمار التمويل العالمي للفيروس”.
الحصول على تمويل مخصص لمواجهة الفيروس صار أصعب خلال السنوات الأخيرة، حيث يركز المانحون على تقديم الدعم الإنساني لفئات أخرى مثل النازحين، كما تقول الدكتورة نادية بدران مديرة جمعية العناية الصحية للتنمية الشاملة، التي تعمل في لبنان منذ نحو 35 عاما.