أعاد قرار الرئيس الكيني وليام روتو تشديد القيود على الأجانب الذين يمارسون أعمالا تجارية صغيرة فتح نقاش أفريقي حول حدود حماية التجار المحليين، ومخاطر تحويل الاقتصاد غير الرسمي إلى مجال للمنافسة القومية.
فقد قال روتو الأسبوع الماضي إن على الأجانب الذين يديرون أعمالا صغيرة إغلاقها قبل يوم غد الاثنين 7 سبتمبر/أيلول، موضحا أن كينيا ستظل مفتوحة للاستثمار الأجنبي، لكن المستثمرين مطالبون بإنشاء الوظائف وتوسيع الإنتاج، لا بمنافسة الكينيين في التجارة الصغيرة. وبرر الرئيس القرار بحماية التجار المحليين وتوسيع الفرص أمامهم، في وقت تشهد فيه البلاد توترات بسبب التنافس على الوظائف والفرص التجارية.

انتشار الظاهرة أفريقيا
لا تبدو الخطوة الكينية معزولة، ففي تنزانيا، حظرت لائحة صدرت في يوليو/تموز 2025 مشاركة غير المواطنين في 15 قطاعا، بينها المتاجر الصغيرة، وتحويل الأموال عبر الهاتف، وإصلاح الهواتف، والحلاقة والتجميل، وإرشاد السياح، والتعدين على نطاق صغير وشراء المحاصيل من المزارع. وقال وزير التجارة سليماني جافو إن القرار يستهدف تنامي انخراط الأجانب في القطاع غير الرسمي ومجالات ترى الحكومة أن التنزانيين أولى بشغلها.
وفي غانا، حصر قانون هيئة ترويج الاستثمار لعام 2026 تجارة التجزئة غير الرسمية في المواطنين، وفرض غرامات تتراوح بين 60 ألفا و120 ألف سيدي (بين نحو 5250 دولارا و10500 دولار) على من يمارسها من الأجانب. وقال الرئيس التنفيذي للهيئة عقب اتفاق مع اتحاد التجار الغانيين في 20 أغسطس/آب الماضي، إن هذا المجال “محجوز قانونا لمواطني غانا حصرا، وهذا غير قابل للتفاوض”، بحسب وكالة الأنباء الغانية.
أما بوتسوانا فحجزت عام 2020 سبعة عشر نشاطا للمواطنين بموجب قانون التجارة لعام 2019، منها غسيل السيارات وصالونات الحلاقة والمغاسل ومحال الهواتف، وفق وكالة الأنباء الحكومية.
وتتخذ السياسة منحى أوسع في دول أخرى. فقد حظرت الغابون على الأجانب أنشطة تشمل التجارة المحلية وإصلاح الأجهزة الصغيرة والحلاقة والتجميل في الشوارع والتعدين الحرفي وشراء المحاصيل وتشغيل الورش الصغيرة، تعزيزا لما وصفته الحكومة بـ”السيادة الاقتصادية”، بحسب وكالة “إيكوفان” المختصة في الشؤون الاقتصادية الأفريقية.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، أعلنت وزارة الاقتصاد الوطني في الثاني من مايو/أيار الماضي إنفاذ قواعد تحصر التجارة الصغيرة في الكونغوليين، مع مهلة امتثال 6 أشهر، في إحياء لمبدأ يعود إلى قانون صدر عام 1973، وفق “إيكوفان”.
كما حصرت بوركينا فاسو تجارة التجزئة، بمرسوم اعتُمد في 12 فبراير/شباط الماضي، في مواطنيها ومواطني دول تحالف الساحل، وفي الأفارقة الآخرين شرط المعاملة بالمثل، وفق موقع “سيكافينانس” (Sika Finance) المتخصص في الأخبار الاقتصادية لغرب أفريقيا.
أما زيمبابوي، فقد ألزمت منذ العام الماضي الشركات الأجنبية في 14 قطاعا، منها النقل والمخابز والتعدين الحرفي، بالتنازل عن حصة الأغلبية لمواطنين خلال 3 سنوات.

مكاسب قصيرة وكلفة إقليمية
وتقدم الحكومات هذه القيود باعتبارها وسيلة لحماية سبل عيش المواطنين ومواجهة منافسة الأجانب في الأنشطة التجارية الصغيرة. فقد ربط تقرير صحيفة فايننشال أفريك (Financial Afrik) القيود في الغابون بمكافحة البطالة والسيطرة على الاقتصاد الصغير. غير أن تطبيق هذه السياسات يواجه تحديات، إذ أشار تقرير في موقع “مودرن غانا” (ModernGhana) إلى استمرار مشاركة أجانب في التجارة الصغيرة رغم حظرها قانونا في غانا، وعزا ذلك إلى ضعف التنفيذ.
إلا أن الكلفة تظهر خارج الحدود. فقد أثارت القيود التنزانية قلقا داخل مجموعة شرق أفريقيا، حيث تنص السوق المشتركة على حرية حركة السلع والأشخاص والعمالة والخدمات ورأس المال، وعلى عدم التمييز بين مواطني الدول الشريكة، مع ترك مساحة للدول لتحديد القطاعات التي تلتزم بتحريرها.
وقد كانت كينيا نفسها أول المعترضين على القانون التنزاني، بحجة أنه يقوض حرية تنقل العمالة وحق التأسيس، قبل أن تعلن الحكومة الكينية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن تنزانيا طمأنتها بأن “أي عمل تجاري كيني لن يتأثر حتى في المستقبل”.
وقال خبير العلاقات الدولية غوردون كاتشولا لموقع “إيستلي فويس” الكيني إن احتمال نشوء خلاف دبلوماسي إقليمي قائم سيتأكد “بحسب كيفية صياغة القانون نفسه”، محذرا من استهداف بلدان أو مناطق بعينها.
وقد وصفت 7 منظمات كينية ودولية قرار الرئيس الكيني بأنه “غير دستوري” بصيغته المعلنة، وحذرت -في بيان مشترك- من أن حملة عشوائية قد تُعرِّض اللاجئين وطالبي اللجوء للاحتجاز التعسفي والابتزاز ومصادرة البضائع، مستندة إلى مواد في الدستور الكيني واتفاقية اللاجئين لعام 1951، وإلى قانون اللاجئين الكيني لعام 2021 الذي يجيز للاجئين العمل وممارسة الأعمال، وفق ما نقلت صحيفة “ديلي نيشن” (Daily Nation) الكينية.
المصدر: الجزيرة