في ليلة صيفية حارة، قد يضبط أحدهم مكيف الهواء على درجة منخفضة ثم يسحب البطانية فوق جسده، أو يكتفي بتغطية ساق واحدة على الأقل، وكأن النوم لا يكتمل من دون وجود حاجز يفصله عن الغرفة. ويبدو المشهد متناقضا؛ فإذا كان الجسم يشعر بالحرارة، فلماذا يبحث في الوقت نفسه عن غطاء؟
لا يتعلق الأمر دائما بالشعور بالبرد، ولا يعني أن الشخص يعاني اضطرابا نفسيا. فالحاجة إلى البطانية عند النوم يمكن تفسيرها من خلال تداخل آليات تنظيم حرارة الجسم مع العادات المكتسبة والإحساس الجسدي بالأمان. ومع تكرار استخدامها لسنوات، قد تتحول البطانية إلى جزء من الطقوس التي يتعرف من خلالها الدماغ إلى أن وقت النوم قد حان.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
كيف يستعد الجسم للنوم؟
لا يدخل الجسم في النوم بمجرد إغلاق العينين، بل تسبقه تغيرات فسيولوجية تنظمها الساعة البيولوجية. وقبل موعد النوم بنحو ساعتين، تبدأ درجة حرارة الجسم الداخلية في الانخفاض تدريجيا، بالتزامن مع زيادة تدفق الدم نحو الجلد والأطراف، بما يساعد الجسم على التخلص من حرارته الداخلية.
وتوضح مراجعة علمية عن العلاقة بين النوم وتنظيم الحرارة أن تغير حرارة الجلد والجسم يرتبط ببداية النوم واستمراره، وأن البيئة الشديدة الحرارة أو الشديدة البرودة قد تزيد الاستيقاظ وتقلل بعض مراحل النوم العميق وحركة العين السريعة.
لكن البطانية لا تعمل فقط على تدفئة الجسم كله، بل تكوّن حول الجلد بيئة صغيرة مستقرة نسبيا، تحميه من تقلبات حرارة الغرفة وحركة الهواء. وقد يساعد الدفء المعتدل للجلد، لا سيما في اليدين والقدمين، على انتقال الحرارة من مركز الجسم إلى الأطراف، بما يتوافق مع الانخفاض الطبيعي في الحرارة الداخلية عند الاستعداد للنوم.
هنا يتضح سر التناقض الظاهري: قد يحتاج الجسم إلى أن يظل الجلد دافئا نسبيا، بينما تنخفض حرارته الداخلية. ولهذا قد يجد الشخص غرفة باردة وغطاء خفيفا أكثر راحة من غرفة حارة من دون غطاء.

البطانية إشارة يتعلمها الدماغ
من منظور علم النفس السلوكي، يرتبط النوم بمجموعة من الإشارات المتكررة: السرير، وإطفاء الأنوار، ووضعية الجسم، والوسادة، وملمس الملاءة والبطانية. ومع تكرار التسلسل نفسه كل ليلة، يتعلم الدماغ الربط بين هذه العناصر والاسترخاء والدخول في النوم.
وتقوم بعض الأساليب السلوكية المستخدمة في علاج الأرق على المبدأ نفسه؛ إذ تحاول تقوية ارتباط السرير بالنوم، بدلا من ربطه باليقظة والقلق ومحاولات النوم الفاشلة. وتشير مراجعة للتدخلات السلوكية الخاصة بالأرق إلى أهمية الإشارات البيئية والعادات المتكررة في تشكيل استجابة الجسم للنوم.
وبذلك، قد تصبح البطانية نوعا من “الإشارة الشرطية”. وعندما تغيب، لا يفقد الجسم شيئا ضروريا من الناحية البيولوجية، لكن الدماغ يلاحظ تغيرا في طقسه المعتاد، فينشأ شعور بأن وضعية النوم غير مكتملة. وقد يفسر ذلك لماذا يقول بعض الأشخاص إنهم لا يستطيعون النوم من دون غطاء، رغم أنهم لا يشعرون بالبرد فعليا.
هل تمنحنا البطانية شعورا بالأمان؟
تقدم البطانية أيضا إحساسا بالاحتواء؛ فهي تحدد مساحة الجسم وتمنحه ضغطا خفيفا وثابتا، وقد يقلل ذلك الشعور بالانكشاف ويساعد بعض الأشخاص على الاسترخاء. ولا يعني هذا بالضرورة وجود خوف دفين أو عقدة نفسية، كما لا توجد أدلة كافية تسمح بإرجاع العادة لدى جميع الناس إلى ذكريات الطفولة أو إلى تجربة نفسية محددة.
وقد يكون أثر الضغط والاحتواء أوضح لدى الأشخاص الذين يعانون القلق أو فرط الاستثارة أو بعض أنواع الحساسية الحسية. ومن هنا ظهر استخدام البطانيات الثقيلة التي توزع ضغطا متساويا نسبيا على الجسم، في إحساس يشبه العناق.
لكن ينبغي التمييز بين البطانية العادية والبطانية الثقيلة؛ فمعظم الأشخاص الذين يفضلون التغطية صيفا لا يحتاجون إلى وزن كبير، بل إلى مجرد وجود الغطاء وملامسته للجسم.
وفي تجربة عشوائية أُجريت عام 2020 على 120 شخصا يعانون الأرق إلى جانب اضطرابات نفسية مختلفة، سجل مستخدمو البطانيات الثقيلة تحسنا في شدة الأرق وبعض أعراض التعب والقلق. كما وجدت تجربة أولية عام 2024 تحسنا في جودة النوم المبلغ عنها ذاتيا لدى بالغين يعانون الأرق، لكن بعض القياسات الموضوعية للنوم لم تُظهر فروقا دالة.
لذلك لا يمكن الجزم بأن الضغط يؤدي إلى تغيرات محددة في الهرمونات أو الجهاز العصبي لدى الجميع. وقد خلصت مراجعة منهجية إلى أن البطانيات الثقيلة قد تساعد على تقليل القلق، لكنها أكدت محدودية الأدلة المتاحة بشأن علاج الأرق.

عادة طبيعية أم علامة على مشكلة؟
في معظم الحالات، يُعد النوم ببطانية صيفا تفضيلا حسيا وعادة مكتسبة، وليس علامة على الاعتماد النفسي أو المرض. ويمكن الجمع بين الحاجة إلى التغطية والراحة الحرارية باستخدام ملاءة قطنية أو بطانية خفيفة تسمح بمرور الهواء، مع إبقاء الغرفة معتدلة البرودة.
أما استخدام غطاء شديد السماكة في أجواء حارة، فقد يحبس الحرارة ويزيد التعرق والاستيقاظ ويُضعف جودة النوم. وينبغي الانتباه إذا صاحبت الحاجة إلى البطانية نوبات خوف شديدة أو هلع، أو إذا كان الشخص يستيقظ بملابس وفراش مبللين بالعرق رغم اعتدال حرارة الغرفة؛ لأن التعرق الليلي المتكرر قد يرتبط بأسباب طبية أو دوائية تحتاج إلى تقييم.
لا تنبع قوة البطانية من الدفء وحده. إنها جزء من البيئة الحرارية للنوم، وإشارة مألوفة يتعرف إليها الدماغ، وطبقة تمنح الجسد إحساسا بالحدود والاحتواء. ولهذا قد نستطيع الاستغناء عن ثقلها في الصيف، لكننا نظل بحاجة إلى لمستها.
المصدر: الجزيرة