لماذا يُصاب بعض المدخنين بالسرطان وينجو آخرون؟

أظهرت دراسة علمية حديثة أن الاختلافات الجينية الموروثة بين الأشخاص قد تساعد في تفسير سبب إصابة بعض المدخنين بالسرطان، في حين لا يُصاب آخرون رغم تعرضهم لعوامل الخطر البيئية نفسها.

ووفق الدراسة المنشورة في دورية “نيتشر” (Nature)، بحث العلماء تأثير الخلفية الجينية في نشوء الأورام وتطورها، باستخدام سلالات من الفئران تختلف في تركيبها الجيني، لكنها تعرضت للجرعة نفسها من مادة كيميائية تسبب تلف الحمض النووي.

وكشفت النتائج أن الجينات الموروثة لا تؤثر فقط في احتمالات الإصابة بالسرطان، بل قد تحدد أيضا أنواع الطفرات التي تظهر داخل الورم، والمسارات البيولوجية التي يسلكها المرض خلال تطوره.

Old man smoking a cigarette; Shutterstock ID 2246803349; purchase_order: aj; job: ; client: ; other:
يُعتقد أن التدخين يسهم في الإصابة بسرطان الرئة من خلال إحداث تلف وطفرات في الحمض النووي لخلايا الرئة (شترستوك)

 600 ورم تكشف الاختلافات

حلل الباحثون ما يقارب من 600 ورم نشأت لدى فئران ذات خلفيات جينية مختلفة، ووجدوا أنه رغم وصول كثير من الأورام إلى حالات بيولوجية متشابهة، فإن الطفرات التي قادتها إلى تلك الحالات اختلفت باختلاف التركيب الجيني لكل حيوان.

ويعني ذلك أن ورمين يبدوان متشابهين في مرحلة متقدمة قد يكونان قد نشآ عبر مسارين جزيئيين مختلفين، تحددهما جزئيا الجينات التي ورثها الكائن الحي.

وتشير هذه النتائج إلى أن التركيب الجيني قد يؤثر في طريقة تطور السرطان، وليس فقط في قابلية الشخص الأولية للإصابة به، كما قد يسهم في تحديد كيفية استجابة الأورام للعلاجات المختلفة.

ويرى الباحثون أن هذه المعرفة قد تساعد مستقبلا في تطوير وسائل أكثر دقة للوقاية من السرطان وتشخيصه وعلاجه، اعتمادا على الخصائص الجينية لكل شخص، بدلا من التعامل مع جميع الأورام بالطريقة نفسها.

جاءت الدراسة ثمرة سنوات من التعاون الدولي بين جامعة كامبريدج وجامعة إدنبرة وعدد من الجامعات والمؤسسات البحثية في أوروبا والولايات المتحدة.

إعلان

وقاد الدراسة كل من البروفيسور دنكان أودوم، والدكتورة سارة أيتكن، والبروفيسور مارتن تايلور، في محاولة لفهم الدور الذي تؤديه الجينات الموروثة في تحديد طبيعة الأورام والطفرات التي تتراكم داخلها.

كيف ينشأ السرطان؟

يتطور السرطان عندما تتراكم طفرات وتغيرات في الحمض النووي للخلايا، مما يسمح لها بالنمو والانقسام بصورة غير منضبطة.

وتستطيع هذه الخلايا بمرور الوقت تجاوز الإشارات الطبيعية التي تدفع الخلية التالفة إلى التوقف عن الانقسام أو الدخول في عملية الموت المبرمج (Apoptosis)، لتستمر في التكاثر وتكون الأورام.

ويمكن لعوامل بيئية مختلفة أن تزيد تلف الحمض النووي. فعلى سبيل المثال، يحتوي دخان السجائر على عدد كبير من المواد المسرطنة القادرة على إلحاق الضرر بخلايا الرئتين، بينما قد تسبب الأشعة فوق البنفسجية (Ultraviolet) الصادرة عن الشمس تلفا في الحمض النووي لخلايا الجلد.

لكن التعرض للعامل الضار نفسه لا يؤدي دائما إلى النتيجة ذاتها لدى جميع الأشخاص، وهو ما دفع الباحثين منذ سنوات إلى الاشتباه في أن الاختلافات الجينية الموروثة تؤثر في كيفية تعامل الجسم مع هذا التلف.

الجينات ترسم الطريق إلى الورم

قال البروفيسور دنكان أودوم، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن السرطان لا ينشأ بصورة عشوائية تماما، موضحا أنه رغم وصول الأورام في كثير من الأحيان إلى المرحلة البيولوجية النهائية نفسها، فإن الطريق المؤدي إليها يتحدد بالتركيب الجيني للفرد.

وأضاف أودوم -الذي قاد البحث خلال عمله في معهد أبحاث السرطان بجامعة كامبريدج، قبل انتقاله إلى المركز الألماني لأبحاث السرطان في هايدلبرغ بألمانيا- “تمكنا للمرة الأولى من إظهار مدى تأثير التركيب الجيني في كل من عمليات حدوث الطفرات والمسارات التي تقود إلى تطور الورم”.

وتكشف هذه النتائج أن الخلفية الوراثية لا تعمل بالضرورة بوصفها مفتاحا مباشرا لتشغيل السرطان أو إيقافه، لكنها قد توجه الخلايا نحو طفرات ومسارات محددة عند تعرضها للعوامل المسرطنة.

لماذا يصاب مدخن ولا يصاب آخر؟

يساعد هذا التفسير في فهم أحد الأسئلة التي طالما حيرت العلماء والجمهور: لماذا يصاب بعض المدخنين بسرطان الرئة، بينما لا يظهر المرض لدى آخرين رغم استمرارهم في التدخين سنوات طويلة؟

لا تعني النتائج أن بعض الأشخاص محصنون جينيا ضد أضرار التدخين، أو أن التدخين يصبح آمنا لدى من يمتلكون تركيبا جينيا معينا، إذ يظل دخان السجائر عاملا رئيسيا لإتلاف الخلايا وزيادة خطر الإصابة بأنواع متعددة من السرطان.

لكن الدراسة تشير إلى أن استجابة الجسم لذلك التلف قد تختلف من شخص إلى آخر، نتيجة التباين في الجينات الموروثة، وقد ينعكس هذا الاختلاف على طبيعة الطفرات التي تتكون داخل الخلايا وطريقة تطور الورم.

وبذلك، قد ينتج عن التعرض البيئي الواحد مسارات مختلفة للمرض، حتى عندما يتعرض الأشخاص للجرعة نفسها من العامل المسرطن.

خطوة نحو علاج أكثر دقة

قد تساعد النتائج في دعم توجه الطب الدقيق (Precision Medicine)، الذي يسعى إلى اختيار وسائل الوقاية والعلاج وفق الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض وورمه.

فإذا تمكن العلماء من تحديد الطريقة التي تؤثر بها الخلفية الجينية في نشوء الطفرات، فقد يصبح من الممكن التعرف مبكرا على الأشخاص الأكثر عرضة لبعض أنواع السرطان، أو توقع المسار الذي قد يسلكه الورم.

إعلان

كما يمكن أن تسهم هذه المعرفة في اختيار علاجات تستهدف نقاط الضعف الجزيئية داخل كل ورم، وتفسير سبب استجابة بعض المرضى لعلاج معين بينما لا يحقق العلاج نفسه نتائج مماثلة لدى آخرين.

نتائج واعدة ولكنها أولية

يحذر العلماء من التوسع في تفسير النتائج أو تطبيقها مباشرة على البشر، إذ أُجريت الدراسة على الفئران، ولا تزال هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لمعرفة مدى انطباق الآليات المكتشفة على الأورام البشرية.

كما أن الإصابة بالسرطان لا يحددها عامل جيني واحد، بل تنتج عن تفاعل بالغ التعقيد بين الجينات الموروثة والتعرضات البيئية ونمط الحياة والتغيرات العشوائية أو المكتسبة التي تحدث داخل الخلايا بمرور الوقت.

وتضيف الدراسة بذلك دليلا جديدا على أن فهم السرطان لا يقتصر على تحديد العامل المسرطن، بل يتطلب أيضا معرفة طبيعة الجسم الذي يتعرض له، وكيف يمكن لتركيبته الجينية أن توجه رحلة الخلايا من التلف الأولي إلى نشوء الورم وتطوره.

 

المصدر: الجزيرة