مع صباح اليوم التالي لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، دخلت إيران مرحلة حساسة على صعيد المشهد السياسي، في حين أعلنت الحكومة حالة حداد رسمي.
وفي هذا السياق، بدأ مجلس خبراء القيادة التحضير لانعقاد طارئ، وسط تساؤلات متزايدة بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية، وآلية اختيار المرشد الأعلى الجديد، ودور المجلس المؤقت في إدارة شؤون الدولة.
بالتوازي، تتجه الأنظار إقليميا ودوليا نحو طهران ترقبا لمسار التطورات المقبلة، وما قد تتركه من انعكاسات سياسية وأمنية على الداخل الإيراني ومحيطه.
انتقال السلطة
صدر، اليوم الأحد، أول تصريح رسمي يتناول ملامح المرحلة الانتقالية في إيران على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، إذ أعلن عن تشكيل مجلس قيادة مؤقت لتولي إدارة شؤون الدولة، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.
وتُناطإدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية بالمجلس المؤقت الذي يضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، إلى جانب ممثل قانوني عن مجلس صيانة الدستور هو علي رضا أعرافي، وذلك إلى حين استكمال الإجراءات الدستورية لاختيار مرشد جديد.
وينص الدستور الإيراني، بموجب المادة 111، على أن مجلس الخبراء، وهو هيئة دينية تضم 88 عضوا، يتولى مهمة اختيار المرشد الأعلى الجديد “في أقرب وقت ممكن”.
وبحسب الآليات الدستورية المعتمدة، يعقد مجلس خبراء القيادة جلسة طارئة عند شغور منصب المرشد الأعلى لاختيار مرشد جديد. وتنص اللوائح الداخلية للمجلس على أن انعقاد الجلسة يتطلب حضور ثلثي الأعضاء على الأقل، كما يستلزم انتخاب المرشد حصوله على موافقة تُستكمل وفق إجراءات المجلس وتصويته.
وتوثَّق نتائج الجلسة في محضر يوقعه الأعضاء الحاضرون، لتصبح عملية الاختيار رسمية ونافذة. وتهدف هذه الترتيبات إلى تنظيم انتقال القيادة وفق مسار قانوني يضمن عدم حدوث فراغ في أعلى هرم السلطة.
صلاحيات مؤقتة
وتشير الترتيبات الدستورية إلى أن المجلس المكلف بإدارة المرحلة الانتقالية لا يمتلك كامل الصلاحيات الممنوحة للمرشد الأعلى، إذ يقتصر دوره على إدارة القرارات الأساسية، مع اشتراط الحصول على موافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام قبل اتخاذ بعض الإجراءات.
ويحدد الدستور الإيراني، ولا سيما المادة 110، نطاق صلاحيات المرشد الأعلى بوصفه المرجعية العليا في هرم السلطة، إذ يتولى رسم السياسات العامة للنظام بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، ويشرف على تنفيذها، كما يمتلك صلاحية الدعوة إلى الاستفتاءات العامة.
كما يُعد المرشد الأعلى القائد العام للقوات المسلحة، بما يشمل سلطة إعلان الحرب والسلام وإدارة التحركات العسكرية المختلفة، بما في ذلك إعلان التعبئة العامة.
وتتضمن صلاحياته كذلك تعيين وعزل عدد من كبار المسؤولين، من بينهم فقهاء مجلس صيانة الدستور، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام للحرس الثوري، إضافة إلى مناصب عليا في القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
ويمتد دوره أيضا إلى ملفات تتصل بالعملية السياسية، حيث يتيح له الدستور عزل رئيس الجمهورية في حالات محددة، فضلا عن صلاحية العفو أو تخفيف العقوبات بناء على اقتراح رئيس السلطة القضائية. ويجيز الدستور للمرشد الأعلى تفويض جزء من صلاحياته إلى جهة أخرى، بما يوفر مرونة في إدارة شؤون الدولة.
مؤهلات المرشد
تنص المواد الدستورية في إيران على أن المرشد الأعلى ينبغي أن يتمتع بمجموعة من المؤهلات التي تؤهله لقيادة الجمهورية الإسلامية، من بينها الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف مجالات الفقه، إضافة إلى العدالة والتقوى، وأن يمتلك رؤية سياسية واجتماعية واضحة، وقدرة على التدبير، وشجاعة، وكفاءة إدارية، وحكمة قيادية تمكنه من إدارة شؤون الدولة العليا.
وفي حال توافر هذه الشروط في أكثر من مرشح، تشير المادة 109 إلى أن الأولوية تُمنح لمن يمتلك رؤية فقهية وسياسية أوسع، بما يعزز قدرته على قيادة الدولة ضمن الأطر الدستورية.
وبمجرد انتخابه، يتولى المرشد الأعلى صلاحيات ولاية الأمر وفق ما يحدده الدستور، بما يشمل السلطات الدينية والسياسية العليا المرتبطة بالمنصب. وفي الوقت نفسه، تؤكد النصوص القانونية أن المرشد، من حيث المبدأ، يتمتع بالحقوق العامة ذاتها شأنه شأن باقي المواطنين، وأن خصوصية موقعه تستند إلى طبيعة المنصب ومسؤولياته، لا إلى امتياز قانوني مستقل.

تكهنات الخلافة
يُعد انتقال منصب المرشد الأعلى حدثا نادرا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ لم تشهد البلاد منذ عام 1979 سوى انتقال واحد في هذا الموقع، وذلك عقب وفاة آية الله الخميني عام 1989.
ومع دخول إيران مرحلة انتقالية جديدة بعد رحيل المرشد الأعلى، تتجه الأنظار إلى المؤسسات الدستورية المعنية بترتيبات الخلافة، وفي مقدمتها مجلس خبراء القيادة، وسط اهتمام إقليمي ودولي بمسار التطورات المقبلة. وفي هذا السياق، تتواصل مشاورات داخل الأطر السياسية والدينية ذات الصلة، بينما تبقى الصورة النهائية مرهونة بتوازنات داخلية وإجراءات دستورية.
وفي النقاشات العامة والإعلامية، تُطرح أسماء عدة بوصفها مرشحة محتملة للمنصب، مع الإشارة إلى أن تقدير فرص كل اسم يظل صعبا في هذه المرحلة. ومن بين الأسماء المتداولة:
- مجتبى خامنئي: رجل دين، نجل المرشد الأعلى الراحل، يُطرح اسمه بوصفه مرشحا محتملا رغم أنه لم يتولَّ منصبا حكوميا معلنا.
- علي رضا أعرافي: رجل دين يُنظر إليه على أنه قريب من دوائر صنع القرار، ويشغل مناصب دينية ومؤسسية، من بينها رئاسة منظومة الحوزات العلمية، وله حضور في مؤسسات رقابية مرتبطة بالعملية السياسية.
- محمد مهدي ميرباقري: رجل دين محافظ وعضو في مجلس الخبراء، يُقدَّم في بعض التوصيفات الإعلامية بوصفه من التيار الأكثر تشددا داخل المؤسسة الدينية، ويرتبط بمؤسسات علمية في قم.
- حسن الخميني: رجل دين وحفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، يرتبط اسمه برمزية دينية وثورية، ويشغل موقعا مرتبطا بإدارة مرقد الخميني، ويُقدَّم غالبا بوصفه معتدلا مقارنة ببعض الأسماء الأخرى.
- حسن روحاني: رجل دين رئيس إيران الأسبق، يرتبط اسمه بالحوار مع الولايات المتحدة وإبرام الاتفاق النووي، ويُعتبر اسما معتدلا يدعم السياسة المرنة.
- هاشم حسيني بوشهري: رجل دين يشغل منصبا قياديا داخل مجلس الخبراء (النائب الأول للرئيس)، ويُذكر أنه قريب من مؤسسات الخلافة مع حضور إعلامي محدود.
وبينما تستمر هذه التداولات، يُنظر إلى قرار مجلس خبراء القيادة بوصفه محطة مفصلية لاختبار توازنات القوى داخل المؤسسة الدينية والسياسية، في مرحلة دقيقة تكتسب فيها إجراءات اختيار المرشد الأعلى أهمية خاصة لمسار الدولة واستمرارية النظام.
المصدر: الجزيرة