في تطور ميداني وسياسي بارز، عادت المواجهات البحرية إلى واجهة الأحداث عقب الهجوم الذي شنته البحرية الإسرائيلية -أمس الاثنين- على “أسطول الصمود العالمي”.
هذا الأسطول -الذي انطلق بتنسيق دولي واسع- لم يكن مجرد قافلة إنسانية لكسر الحصار، بل تحول إلى ساحة اختبار حقيقية لتوجهات تل أبيب العسكرية الجديدة.
يركز هذا التقرير على تفكيك أبعاد هذا الحدث من خلال تتبع مسار الأسطول منذ انطلاقه، والوقوف على تفاصيل الهجوم الإسرائيلي، كما يسلط الضوء على التحول الإستراتيجي الخطير المتمثل في إعلان إسرائيل تبني خيار “هجومي” في التعامل مع هذه القوافل، مستعرضا الفروق الجوهرية التي تميز هذا الأسطول وآلية التصدي له عن كافة المحاولات البحرية السابقة، عبر أربعة أسئلة وأجوبة:
1: ما هي هوية “أسطول الصمود العالمي”؟
أبحر “أسطول الصمود العالمي” هذه المرة من مدينة مرمريس التركية المطلة على البحر المتوسط في 14 مايو/أيار الجاري في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، بمشاركة 54 سفينة، 5 منها سفن تابعة لتحالف “أسطول الحرية”.
وأصر المشاركون في الأسطول -وهم من أكثر من 40 دولة- على مواصلة تحركاتهم رغم ما وصفوه بتصعيد إسرائيل للعنف ضد القوافل البحرية السلمية.
ويضم الأسطول أعضاء مجلس إدارته، وبينهم سميرة آق دنيز أوردو، وإيمان المخلوفي، وسعيد أبو كشك، وكو تينموانغ، ونتاليا ماريا، ونحو 500 ناشط، بينهم عشرات الأتراك.
2: كيف جرى الهجوم الإسرائيلي على الأسطول؟
اعتقلت القوات الإسرائيلية مئات النشطاء المشاركين في “أسطول الصمود العالمي” عقب اعتراض عشرات السفن في المياه الدولية أثناء توجهها إلى قطاع غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض عليه.
وقد ألقت القوات الإسرائيلية القبض على 345 ناشطا كانوا على متن 39 سفينة مشاركة في الأسطول، كما أن 9 سفن أخرى لا تزال تواصل طريقها نحو قطاع غزة، إذ تبعد نحو 40 ساعة عن السواحل.
وذكر إعلام إسرائيلي أن ناشطي أسطول الصمود نُقلوا إلى سفينة تابعة لسلاح البحرية مزودة بسجن عائم ومنها إلى ميناء أسدود، مؤكدا أن السيطرة على الأسطول كانت على أيدي وحدات النخبة في البحرية الإسرائيلية، إذ جرت عمليات الاعتراض قبالة سواحل قبرص على بُعد مئات الكيلومترات، وأسفرت عن اعتقال عشرات المشاركين، في حين ناشد ناشطون حكوماتهم “تحريرهم من الاختطاف”.
وسرعان ما بدأت التصريحات الإسرائيلية تتوالى، إذ بدأت بحديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي مع قائد وحدة النخبة بالبحرية قائلا: “إنكم تحبطون مخططا خبيثا لكسر حصارنا على مقاتلي حماس في غزة”.
وتبعت ذلك زيارة نتنياهو إلى مقر قيادة سلاح البحرية بوزارة الدفاع لمتابعة عملية السيطرة على الأسطول، ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر قوله إن عملية السيطرة على السفن تجري وفق الخطة، وإنه لم يقع أي حدث استثنائي حتى اللحظة.
وفي الأثناء، قالت الخارجية الإسرائيلية -في بيان- إن تل أبيب لن تسمح بأي خرق للحصار البحري المفروض على غزة، داعية جميع المشاركين في الأسطول إلى تغيير مسارهم والعودة فورا.

3: ما هي الفروق الجوهرية بين “أسطول الصمود” والمحاولات السابقة؟
شن القائد السابق لسلاح البحرية الإسرائيلية اللواء احتياط تشيني ماروم هجوما كبيرا على تركيا، إذ صرح للإذاعة الرسمية بأن “تركيا تتصرف كدولة معادية”، مؤكدا أن إسرائيل حاولت مسبقا -عبر الإدارة الأمريكية- الضغط على أنقرة لوقف الأسطول، ولكن دون جدوى.
على الجانب الآخر، تتمسك أنقرة ومنظمو الأسطول بأن الاعتراض غير قانوني، وسرعان ما تحول التحرك المدني السلمي لكسر الحصار الإسرائيلي عن غزة وتخفيف وطأة الكارثة الإنسانية على سكانها إلى أزمة وتراشق إعلامي بين أنقرة وتل أبيب، تصدرته اتهامات متبادلة بـ”القرصنة” والتصرف كـ”دولة معادية”.
وأعادت هذه الحادثة إلى الأذهان حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، عندما هاجمت القوات الإسرائيلية السفينة في المياه الدولية فاستشهد 10 ناشطين أتراك، في حادثة أشعلت أزمة دبلوماسية لم تحسم إلا باعتذار إسرائيلي عام 2013 واتفاق تطبيع عام 2016.
في عام 2010 كان الهجوم عنيفا ومفاجئا وأدى لضحايا، أما الآن فالإستراتيجية تعتمد على “السيطرة الشاملة والاعتقال الجماعي المنظم” قبل اقتراب السفن، مع إدارة سياسية وإعلامية مشددة مثل زيارة نتنياهو لمقر البحرية.
هذه المرة كان عدد السفن أكبر أيضا مقارنة بقوافل سابقة كانت تضم سفنا معدودة، مما جعل التحدي اللوجستي لإسرائيل أكبر وأعقد.
كما أن تحرك الأسطول الحالي يأتي في ظل توتر وتدهور غير مسبوق في العلاقات التركية الإسرائيلية بعد حرب 2023 وملاحقات قضائية، بعكس عام 2010 حيث كانت العلاقات الدبلوماسية لا تزال قائمة بشكل رسمي.
4: كيف تتنصل إسرائيل من المسؤولية؟
يتفق محللون على أن إسرائيل باتت تتبنى عقيدة “نقل المعركة إلى العمق البحري” أو ما تسميه “تعاملا هجوميا”. فبدلا من الانتظار قرب سواحل غزة، جرى الاعتراض في المياه الدولية لفرض ردع مبكر، وإحباط الحراك قبل أن يشكل ضغطا سياسيا قريبا.
وإلى جانب ذلك، تعمد إسرائيل إلى استخدام سفن ومنصات عائمة تحتوي على معتقلات ميدانية لاعتقال الناشطين، وذلك لتجنب نقلهم إلى الموانئ الإسرائيلية أو طرف ثالث كما حدث في أسطول الصمود السابق، وفق حديث مدير مكتب الجزيرة في فلسطين وليد العمري.
وتمهيدا لعملية الاعتراض، تبدأ إسرائيل في حشد قوات كبيرة من سلاح البحرية ووحدة النخبة “شايطيت 13” وقوات المشاة لتنفيذ عملية الاستيلاء على السفن واحتجاز الناشطين.
وتبرر ذلك بخوفها من وجود ناشطين ينتمون إلى منظمة الإغاثة الإنسانية التركية (أي ها ها)، ورغبتها الأكيدة في عدم تكرار سيناريو مواجهات سفينة مرمرة عام 2010، التي تسببت في سقوط قتلى وأوقعت إصابات حينئذ.
المصدر: الجزيرة