قد تكون لمسة عابرة أو احتكاك الملابس بالجلد أمرا لا يكاد يشعر به معظم الناس، لكنها لدى المصابين بمرض الفراشة قد تكون بداية فقاعة مؤلمة أو جرح يحتاج إلى عناية متواصلة.
وتكشف هذه الهشاشة عن مرض وراثي نادر لا تقتصر آثاره في الحالات الشديدة على الجلد، بل قد تمتد إلى أعضاء مختلفة من الجسم.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وتقول الدكتورة جانين ماغنو، المديرة الطبية لجمعية “ديبرا البرازيل” المتخصصة في انحلال البشرة الفقاعي أو ما يسمى “مرض الفراشة”، ومنسقة السجل الوطني البرازيلي للمرض، وأستاذة طب الأمراض الجلدية للأطفال في جامعة بلوميناو الإقليمية بولاية سانتا كاتارينا، إن الاسم الطبي للمرض هو “انحلال البشرة الفقاعي”، وهو مرض وراثي نادر يتسم بخلل في التصاق خلايا البشرة، ويؤثر في الجلد والأغشية المخاطية.
وأضافت ماغنو، في تصريحات للجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، أن هذا الخلل يجعل الجلد شديد الهشاشة، بحيث يمكن أن تنفصل طبقاته عند التعرض لأقل صدمة أو احتكاك، فتظهر فقاعات مؤلمة وجروح.
وتضيف أن المرض ينشأ عن خلل في إنتاج بروتينات مسؤولة عن تماسك الجلد، إذ قد يكون أحد هذه البروتينات متغيرا أو غائبا تماما، وتختلف شدة المرض بحسب درجة تأثر البروتين.

أربعة أنواع تختلف في شدتها
وأوضحت ماغنو أن انحلال البشرة الفقاعي يصنف إلى 4 أنواع رئيسية وفقا للمستوى الذي يحدث عنده انفصال طبقات الجلد وتكوّن الفقاعات، بينما تنقسم هذه الأنواع بدورها إلى أشكال فرعية تحدد بناء على السمات السريرية والجينية والنسيجية والكيميائية الحيوية.
وأضافت أن النوع الأول هو “انحلال البشرة الفقاعي البسيط”، وفيه يؤدي تأثر خلايا الطبقة القاعدية من البشرة إلى حدوث خلل في الكيراتين، وتكون الفقاعات غالبا سطحية ومحدودة ولا تترك ندوبا عميقة.
أما “انحلال البشرة الفقاعي الحثلي”، فتقول ماغنو إن الفقاعات فيه تتكون في مستوى أعمق بين الأدمة والبشرة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور ندوب ومضاعفات طويلة المدى، كما يمكن أن تتأثر الأغشية المخاطية إلى جانب الجلد.
وأشارت ماغنو إلى أن النوع “الوصلي” يحدث فيه الانفصال عند منطقة اتصال البشرة بالأدمة، وتكون الفقاعات عميقة وقد تشمل مساحة واسعة من الجسم، وقد يصل معدل الوفيات خلال السنة الأولى إلى نحو 40% في بعض مجموعات المرضى المصابين بالنوع الوصلي.
وتتفق هذه النسبة تقريبا مع نتائج دراسة منشورة في مجلة “طب الأطفال” (The Journal of Pediatrics) رصدت مخاطر وفاة تراكمية تراوحت بين 40% و44.7% خلال السنة الأولى في مجموعتين من مرضى النوع الوصلي. ولا تعني هذه النتائج أن النسبة تنطبق على جميع المصابين بهذا النوع، نظرا لاختلاف شدة الأشكال الفرعية.
أما النوع الرابع، وهو “متلازمة كيندلر”، فتوضح ماغنو أن الانفصال يمكن أن يحدث فيه عند مستويات متعددة من الجلد، وقد ترافق الفقاعات حساسية للضوء وتأثر الجهاز الهضمي، إلى جانب ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الجلد.
وتؤكد ماغنو أن التسلسل الجيني يمثل “المعيار الذهبي” لتحديد أشكال انحلال البشرة الفقاعي، إذ يسمح بالكشف عن الطفرة المسؤولة والمساعدة في تحديد النوع بصورة دقيقة.
عندما تنتقل الطفرة داخل الأسرة
وتقول ماغنو إن انحلال البشرة الفقاعي مرض وراثي، لكن طريقة انتقاله تختلف باختلاف النوع والطفرة المسببة له، فقد ينتقل بنمط وراثي سائد أو متنح، كما يمكن أن تظهر لدى الطفل طفرة جديدة لم يرثها مباشرة من أحد الوالدين، فيما يعرف بطفرة “دي نوفو” (de novo).
وتوضح أن احتمال انتقال المرض أو الطفرة يختلف تبعا لنمط الوراثة، إذ يبلغ احتمال الإصابة 25% في الأشكال المتنحية عندما يكون الأب والأم حاملين للطفرة المسببة، بينما يمكن أن يصل إلى 50% في الأشكال السائدة عندما يحمل أحد الوالدين الطفرة.

مرض يتجاوز حدود الجلد
وتصف ماغنو انحلال البشرة الفقاعي بأنه مرض “متعدد الأجهزة”، موضحة أن الأنسجة الطلائية لا توجد في الجلد وحده، بل تبطن كذلك الأغشية المخاطية وأجزاء من أعضاء مختلفة، وهو ما يفسر اتساع نطاق المضاعفات لدى بعض المرضى.
وتمثل الفقاعات والجروح المزمنة المشكلة الأساسية -بحسب ماغنو- لكنها قد ترتبط كذلك بزيادة خطر العدوى، وظهور الندوب والتغيرات الدائمة في الأنسجة، إضافة إلى ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان لدى بعض أشكال المرض، مضيفة أن المضاعفات قد تشمل حدوث تضيق أو تغيرات في الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والمسالك البولية، كما يمكن أن يعاني بعض المرضى سوء تغذية مزمنا ومشكلات في القلب والعينين، وتأخر البلوغ، ومضاعفات في المفاصل قد تؤثر في القدرة على الحركة.
وأوضحت أن هذه المضاعفات تجعل رعاية المريض عملية مستمرة لا تتوقف عند تضميد الجروح، وإنما تتطلب متابعة وظائف الأعضاء والحالة الغذائية والحركة، وفقا لشدة المرض ونوعه والمشكلات التي تظهر لدى كل مريض.
المرض يرهق الأسرة أيضا
ولا يتوقف عبء مرض الفراشة عند المصاب نفسه. فقد أظهرت دراسة نشرت في مجلة “ساينتفك ريبورتس” (Scientific Reports) عام 2025 وشملت 100 من آباء وأمهات أطفال مصابين بانحلال البشرة الفقاعي أن الآباء سجلوا مستويات مرتفعة من الضغط المرتبط برعاية الأبناء، إلى جانب انخفاض جودة الحياة، كما ارتبط ارتفاع الضغط بانخفاض القدرة على التكيف وجودة الحياة.
وأشارت الدراسة إلى أن العناية اليومية بالجروح والألم والاحتياجات المستمرة للطفل يمكن أن تفرض أعباء نفسية ووقتية كبيرة على الأسرة، وخلص الباحثون إلى أهمية توفير الدعم النفسي والتثقيفي للأهل إلى جانب الرعاية الطبية المقدمة للطفل.

من الضمادات إلى العلاج الجيني
وتقول ماغنو إن العلاج الحالي يعتمد بصورة أساسية على التعامل المستمر مع الجروح باستخدام ضمادات غير لاصقة تساعد على الالتئام وتقلل احتمالات العدوى، إلى جانب رعاية متعددة التخصصات لمراقبة حالة المريض ومحاولة منع المضاعفات بعيدة المدى.
وتؤكد أن الهدف الأساسي من الرعاية الحالية هو تحسين جودة حياة المصاب، إذ تتطلب طبيعة المرض متابعة مستمرة، وقد يحتاج المريض إلى تدخل تخصصات طبية مختلفة تبعا للأعضاء المتأثرة والمضاعفات التي يعاني منها.
وتشير ماغنو إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مجموعة من العلاجات التي تستهدف تحسين التئام الجروح، بعضها حصل على الموافقات التنظيمية بالفعل، بينما ما زال بعضها الآخر قيد الدراسة والتجارب.
وتضيف أن أحد أبرز التطورات كان الموافقة على علاج جيني للجروح المزمنة لدى المصابين بانحلال البشرة الفقاعي الحثلي يعرف باسم “بي- في إي سي” (B-VEC)، وبدأ تسويقه بالفعل في بعض الدول.
ولم تتوقف التطورات عند هذا العلاج، ففي أبريل/نيسان 2025 وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على علاج جيني آخر يحمل الاسم التجاري “زيفاسكين” (Zevaskyn)، يعتمد على صفائح من خلايا جلد المريض المعدلة جينيا، لعلاج الجروح لدى المصابين بالشكل الحثلي المتنحي من المرض.
وترى ماغنو أن الأبحاث المتسارعة في مجال العلاج الجيني تحمل آفاقا واعدة للمصابين، مع وجود دراسات عديدة تستهدف علاج الأسباب الأساسية للمرض وليس الجروح وحدها، معربة عن اعتقادها بأن المستقبل قد يشهد ظهور علاجات جديدة تقرب المرضى من الهدف الأكبر، وهو الوصول إلى علاج قادر على تحقيق الشفاء الكامل.
المصدر: الجزيرة