مشروع “الجنوبات الثلاث”.. هل تفرض إسرائيل “إمبراطورية الحدود”؟

تتسارع وتيرة سياسة “الأرض المحروقة” في جنوب لبنان مع اتساع أوامر الإخلاء الإسرائيلية لتشمل أكثر من 110 قرى، متجاوزة في بعضها شمال نهر الليطاني.

ويطرح هذا المشهد الميداني المأزوم تساؤلات إستراتيجية حول نوايا الاحتلال، فهل تكتفي إسرائيل بـ”ترتيبات أمنية”، أم أنها تمهد لفرض واقع جيوسياسي جديد يقتلع الإنسان ويقضم الأرض؟

بديل “النصر المطلق”

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية رائد نعيرات، أن إسرائيل -بنيويا وتاريخيا- لا تراجع في إستراتيجيتها إلا بوجود محددات قاهرة.

وفي ظل عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تقديم “النصر المطلق” الذي وعد به، بات البديل الذي يقدمه لليمين المتطرف والمجتمع الإسرائيلي هو السيطرة على الأرض، كما جاء في حديث نعيرات للجزيرة.

ويؤكد نعيرات أن حجم الدمار الممنهج وهدم مئات البيوت، بالتوازي مع طروحات أكاديمية واستيطانية تنادي بالاستيطان في “مناطق الأرز”، يكشف عن نية مخبأة للسيطرة الدائمة، رغم شعور المؤسسة الإسرائيلية بصعوبة تحقيق ذلك ميدانيا حتى الآن.

epa12919850 Smoke rises following an Israeli airstrike in a southern Lebanese village, as seen from the Upper Galilee in northern Israel, 28 April 2026, amid a ceasefire between Israel and Lebanon. EPA/ATEF SAFADI
قصف إسرائيلي متواصل على قرى الجنوب اللبناني (الأوروبية)

“الجنوبات الثلاث”

من جانبه، يضع مدير مكتب الجزيرة في فلسطين وليد العمري، هذه التحركات في سياق مشروع توسعي أكبر يتجاوز الجغرافيا اللبنانية.

ويشير العمري إلى أن الإخلاء الواسع للقرى ليس إجراء أمنيا عابرا، بل هو جزء من مخطط “الجنوبات الثلاث” (قطاع غزة، جنوب لبنان، جنوب سوريا).

ويلفت إلى أن إسرائيل تسعى لتكرار نموذج قطاع غزة في الجنوب اللبناني وصولا إلى الليطاني، ضمن طموح إمبراطوري لنتنياهو يهدف لبناء قوة مستقلة ماليا وعسكريا عن واشنطن، مما يضمن بقاء هذه المناطق الحدودية تحت السيطرة الدائمة حتى بعد وضع الحرب أوزارها.

المأزق اللبناني

في المقابل، تتوزع الأوراق اللبنانية بين “دبلوماسية الدولة” المراهنة على الضغط الأمريكي، و”فعل المقاومة” المراهن على الميدان.

إعلان

ويوضح الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي، أن التدمير الممنهج في “الحافة الأمامية” يهدف إما للسيطرة الكاملة ومنع عودة النازحين، أو لفرض واقع يجعل إعادة الإعمار تتطلب سنوات طويلة تحت ترتيبات أمنية وشروط سياسية تصل إلى حد المطالبة باتفاق “سلام أو تطبيع”.

وتصطدم هذه الرغبة الإسرائيلية بعقلية التفاوض المتعنتة، فكما يشير نعيرات، تريد إسرائيل “تطبيعا بلا ثمن”، وكذلك تطالب بنزع سلاح حزب الله دون تقديم أدنى خطوة تكتيكية مثل وقف إطلاق النار.

وفي ضوء ذلك، يبدو المشهد اللبناني -حسب المحللين- أمام مفترق طرق، فبينما يتمسك لبنان الرسمي بمبدأ “لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار”، تواصل الآلة العسكرية الإسرائيلية قضم القرى الحدودية، في محاولة لفرض “إمبراطورية الحدود” التي تجعل من الأرض المحروقة ضمانة أمنية، والاستيطان طموحا مؤجلا.

ورغم سريان وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله منذ 17 أبريل/نيسان الماضي، ثم تمديده بعد مباحثات مباشرة جمعت سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ هجمات خصوصا على جنوب لبنان توقع قتلى وجرحى.

وتتبادل إسرائيل وحزب الله الاتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت يعلن فيه الحزب تنفيذ عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو الأراضي المحتلة.

 

المصدر: الجزيرة