تزداد سخونة الجدل السياسي في إسرائيل مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتشتعل معركة السرديات بين فاعلين رئيسيين، بالتوازي مع القصف الإسرائيلي المستمر لقطاع غزة رغم الوقف المعلن لحرب الإبادة الجماعية.
وفي أحدث فصول هذه المواجهة، شنّ وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت هجوما مباشرا على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، واصفا إياه بالكاذب، ومتهما إياه بتلفيق رواية مضللة للتنصل من مسؤوليته عن الهجوم الذي نفذته فصائل المقاومة الفلسطينية، والذي يُعد فشلا أمنيا واستخباريا وعسكريا وسياسيا غير مسبوق وفق تقديرات واسعة داخل إسرائيل.
وقد يكون لهذا السجال بين غالانت ونتنياهو مدلولات أوسع، فكلاهما متهم أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، وقد أصدرت المحكمة في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أمر اعتقال بحق كل منهما.
فماذا قال غالانت في هجومه، وما أبرز التناقضات بين روايته ورواية نتنياهو؟
1- ما الذي أشعل الجدل؟
جاءت تصريحات غالانت عقب نشر نتنياهو، في ساعة متأخرة من مساء الخميس، وثيقة من 55 صفحة تضم الردود التي قدّمها إلى مراقب الدولة متنياهو إنغلمان بشأن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما سبقها، موضحا أنه سلّم هذه الردود في نهاية عام 2025.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، أعاد نتنياهو إلقاء اللوم على الجيش والحكومات السابقة، ملمحا إلى أن مسؤولين أمنيين وسياسيين قللوا من خطورة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) -على حد تعبيره- أو عارضوا اتخاذ خطوات حاسمة ضدها، في محاولة منه للتهرب من تحمّل المسؤولية.
ووفقا للمصادر ذاتها، فقد سعى نتنياهو، من خلال نشر “مقتطفات انتقائية” من محاضر نقاشات حكومية وأمنية، إلى تقديم نفسه بوصفه “الأكثر تشددا تجاه حماس”، مدعيا أنه دفع نحو اغتيال قادتها والاستعداد لخيارات أوسع في قطاع غزة.
2- كيف رد غالانت على وثيقة نتنياهو؟
ردّ غالانت على وثيقة نتنياهو في مقابلة لاذعة مع القناة 12 الإسرائيلية أمس السبت، قائلا “لدينا رئيس وزراء كاذب… بينما كان جنودنا يموتون، اختار أن يطعنهم في ظهورهم”، في إشارة إلى تحميل نتنياهو المسؤولية لقادة الجيش والمؤسسة الأمنية في ذروة المواجهة.
واعتبر وزير الدفاع السابق، الذي أُقيل من منصبه في أواخر عام 2024، أن توقيت نشر الوثيقة يندرج في إطار تحميل المسؤولية للآخرين والتحريض على قادة المؤسسة الأمنية، مؤكدا أن نتنياهو حرّض وزراء حكومته ضد قادة الجيش وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شاباك).
وخلافا لما روّج له نتنياهو، قال غالانت إن رئيس الحكومة لم يكن مؤيدا لاغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، كاشفا عن فجوة بين الخطاب العلني المتشدد والحسابات السياسية الفعلية داخل الحكومة.
كما اتهم غالانت نتنياهو بتبنّي سياسة تقوم على تمرير الأموال إلى حركة حماس بذريعة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يرفض دفع الأموال إلى قطاع غزة، وهي سياسة زعم وزير الدفاع السابق أنها أسهمت في تعزيز قوة الحركة بدل ردعها.
3- كيف تتعارض رواية غالانت ونتنياهو بشأن رفح؟
وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، فند غالانت ادعاء نتنياهو بأن تأخير دخول الجيش الإسرائيلي إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة في عام 2024 كان ناتجا عن مخاوف لدى قيادة الجيش، موضحا أن السبب الحقيقي يعود لمحاولة الجيش تزويد نفسه بالإمدادات، بعد تخصيص الذخيرة لصد أي صراع محتمل على الجبهة الشمالية.
وقال غالانت “أولوية نتنياهو هي نفسه، ثم حكومته، ثم البلد”، مضيفا أن رئيس الوزراء “ينسب الفضل لنفسه في الإجراءات بعد إتمامها، إذا نجحت. وإذا لم تنجح، فإن المسؤولية تقع على عاتق شخص آخر”.
كما رفض غالانت بشكل قاطع ادعاء نتنياهو، الذي أطلقه في مؤتمر صحفي أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، بأن جنود الجيش الإسرائيلي قُتلوا بسبب “حظر” فرضته إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ما أدى إلى نقص الذخيرة الأساسية. وقال في هذا السياق “هذا غير صحيح، وإن كان الأمريكيون قد صعبوا الأمر علينا”.
4- ما دلالة خروج غالانت عن صمته في هذا التوقيت؟
وصف غالانت رد نتنياهو على مراقب الدولة بأنه “حالة من التلاعب بالرواية”، عبر اقتطاع أجزاء من مناقشات وجمل من سياقات زمنية مختلفة، وتجميعها لتبدو وكأنها رواية متماسكة، مضيفا “نتنياهو لا يقول الحقيقة، وبالتأكيد لا يقول الحقيقة كاملة”.
وجاء هذا بعد أن استشهد نتنياهو بمناقشات جرت في سبتمبر/أيلول 2023، بما في ذلك اجتماع مجلس الوزراء في 12 سبتمبر/أيلول، حيث نقل عن غالانت قوله إن الوضع الأمني في غزة “مستقر”، وإن على إسرائيل “كبح جماح قواتها” ضد حماس.
ويأتي هجوم غالانت في وقت يتعمق فيه الانقسام داخل إسرائيل ويزداد الاستقطاب بين الأحزاب قبل انتخابات الكنيست (البرلمان) المقبلة. وتنتهي ولاية الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط تقديرات باحتمال إجراء انتخابات مبكرة منتصف العام الجاري.
وقبل بضعة أيام، أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد لازار لصالح صحيفة معاريف أن 53% من الإسرائيليين يعتقدون أن الوقت قد حان لإنهاء مسيرة نتنياهو السياسية. لكن نتنياهو -الذي يحاكم في قضايا فساد- عازم على خوض الانتخابات المقبلة.
وقالت معاريف إن 68% من الإسرائيليين يخشون أن تتحول الخلافات بين الأحزاب السياسية إلى عنف قبيل الانتخابات.
5- لماذا انضم زعيم المعارضة للهجوم؟
وانضم زعيم المعارضة يائير لبيد إلى غالانت في توبيخ رئيس الحكومة، معتبرا أن وثيقة نتنياهو محاولة صريحة لمحو مسؤوليته عن فشل إسرائيل في التصدي لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأشار لبيد إلى أنه حضر اجتماعا مع نتنياهو في أغسطس/آب 2023، أظهرت خلاله المعلومات الاستخبارية بوضوح “خطر اشتعال الأوضاع بمستويات لم نعهدها على مدى سنوات”.
ودفع ذلك زعيم المعارضة للخروج في مؤتمر صحفي في الشهر التالي للتحذير من “أننا مقبلون على مواجهة عنيفة متعددة الجبهات”، من دون أن يتوقع هجوما واسعا من غزة.
وتساءل لبيد “إذا كان زعيم المعارضة على علم بذلك، فكيف يمكن لرئيس الوزراء أن يدعي أنه لم يكن على علم؟”.
6- هل تؤسس هذه التصريحات لمرحلة سياسية جديدة في إسرائيل؟
تأتي هذه الاتهامات المتبادلة في وقت يرفض فيه نتنياهو، حتى الآن، تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط اتهامات له بمحاولة تجنب تحمّل المسؤولية، مقابل إصراره على تشكيل لجنة “سياسية” غير رسمية يشارك الائتلاف في اختيار أعضائها، وهو ما ترفضه المعارضة.
ويرى مراقبون أن ما تشهده إسرائيل اليوم لا يقتصر على صراع سياسي تقليدي، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بـ”معركة وجدانية” داخل الدولة والمجتمع، في ظل تبعات 7 أكتوبر، وما تلاه من حرب إبادة على قطاع غزة، الذي يُقارن داخل إسرائيل بارتدادات حرب عام 1973، بل ويُنظر إليه بوصفه أشد وقعا على صورة الجيش والمؤسسة السياسية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يُتوقع أن تتصاعد هذه المواجهة، كاشفة المزيد من الخفايا، ومؤسسة لمرحلة سياسية جديدة سيكون عنوانها الأبرز “من ينجح في فرض روايته عن أخطر إخفاق في تاريخ إسرائيل؟”.
المصدر: الجزيرة