لم يحتج عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت إلى قرار رسمي ليضع على أبواب مدرسة نور الهدى النموذجية في منطقة رأس شحادة بمخيم شعفاط شمال شرقي القدس المحتلة ملصقات كتب عليها باللغة العبرية “مغلق”.
ففي العاشر من أغسطس/آب الجاري، اقتحم سوكوت، رئيس لجنة التربية والتعليم في الكنيست، المدرسة للمرة الثانية، وصوّر مقطعا عند مدخلها ووضع ملصقات على أبوابها، في خطوة قالت محافظة القدس إنها تهدف إلى تعطيل عمل المدرسة وفرض إغلاقها، رغم عدم صدور قرار رسمي إسرائيلي بذلك.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وتضم مدرسة نور الهدى النموذجية نحو 400 طالب وطالبة من مرحلة الروضة حتى الصف السادس، وكانت قد تعرضت لاقتحام سابق من سوكوت في يونيو/حزيران الماضي، حرّض خلاله على المدرسة وهدد بإغلاقها، قبل أن يواصل اعتداءاته على مؤسسات تعليمية فلسطينية أخرى في القدس، بينها مدرسة دار الأيتام الإسلامية في البلدة القديمة، التي اقتحمها في يوليو/تموز وحطم لافتتها وهدد بإغلاقها.
وبالتوازي مع الضغوط الإسرائيلية التي طالت المؤسسات التعليمية، برزت اعتراضات تتصل بإدارة إحدى المدارس المقدسية، إذ أفاد مصدر خاص للجزيرة نت بأن تعيين مديرة جديدة أثار غضب عدد من أهالي الطلبة وسكان البلدة، على خلفية عمل زوجها في جهاز الشرطة الإسرائيلية، في وقت تتزايد فيه مخاوف المقدسيين من اتساع رقعة وصلاحيات التدخل الإسرائيلي في إدارة المدارس وكوادرها في مدينة القدس.
وتأتي هذه الوقائع مع اقتراب بدء عام دراسي جديد، بعد أشهر شهدت قيودا على وصول معلمين من الضفة الغربية إلى مدارسهم في القدس، إلى جانب إقرار تشريع يقيّد توظيف حملة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية.

ضغوط لإغلاق المدرسة
يؤكد عضو الهيئة الإدارية في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، رامي صالح، للجزيرة نت، أن الملصقات التي وضعها سوكوت على أبواب مدرسة نور الهدى لا تستند إلى قرار رسمي بإغلاقها، إذ لم تصدر وزارة التعليم الإسرائيلية أي قرار بهذا الشأن.
ويوضح صالح أن ما صدر عن لجنة التربية والتعليم في الكنيست هو توصية بمراجعة وضع المدرسة وعدد من المؤسسات التعليمية الأخرى وإحالة ملفاتها إلى وزارة التعليم للنظر فيها، مشددا على أن سوكوت لا يملك، بصفته عضوا في الكنيست، صلاحية إغلاق المدرسة، وأن ما قام به “جاء من باب الدعاية الانتخابية”.
ويمتد الضغط على المدرسة، وفق صالح، إلى التحكم بالمخصصات المالية التي تحصل عليها، إذ إن وقف هذه المخصصات لا يعني إغلاق نور الهدى تلقائيا، فهي “تستطيع الاستمرار في عملها حتى لو تم وقف المخصصات”، وإن كان ذلك سيضعها أمام عجز مالي يؤثر في قدرتها على تسيير شؤونها.
وإلى جانب التمويل، يرصد المركز تشديدا للرقابة الإسرائيلية على المؤسسات التعليمية في القدس، بدءا من المناهج الفلسطينية وصولا إلى اقتحام المدارس ودخول مفتشين إليها ومطالبة الطلبة بفتح حقائبهم المدرسية، وهي ممارسات يرى أنها تخلق حالة من الخوف داخل البيئة التعليمية.
ويلفت صالح إلى قيود طالت المعلمين والمعلمات من حملة هوية الضفة الغربية، لا سيما تصاريح وصولهم إلى أماكن عملهم في القدس، مع إشكاليات شهدها مطلع العام في إصدار هذه التصاريح وتجديدها.

مرجعيات متعددة
ويختلف أثر التضييقات الإسرائيلية باختلاف مرجعية المدرسة ووضعها الإداري والمالي، في ظل توزع التعليم الفلسطيني في القدس بين مدارس الأوقاف، والمدارس الخاصة والأهلية والدينية، ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى جانب المدارس التابعة لبلدية الاحتلال ووزارة التعليم الإسرائيلية، وهو تعدد تختلف معه أشكال السيطرة والضغط الإسرائيلي من مؤسسة تعليمية إلى أخرى.
وتقول مسؤولة العلاقات العامة في مديرية التربية والتعليم بالقدس والتابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، رانيا أعسيلة، للجزيرة نت، إن عدد الفلسطينيين في سن التعليم، بين 3 و18 عاما، يبلغ 139 ألفا و877، موزعين بين أطر ومرجعيات تعليمية مختلفة.
وحسب أعسيلة، يدرس 53 ألفا و329 طالبا في المدارس التابعة لبلدية الاحتلال ووزارة التعليم الإسرائيلية، مقابل نحو 54 ألف طالب ضمن التعليم العربي المعترف به، الذي يضم مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة وغيرها، إلى جانب طلبة يتوزعون على أطر تعليمية أخرى.
ويمتد هذا التباين إلى المنهاج، إذ بلغ عدد الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالمنهاج الإسرائيلي “البجروت” في العام الدراسي 2024-2025، وفق أعسيلة، 22 ألفا و966 طالبا، أي نحو 27% من الطلبة بين 6 و17 عاما.
وبينما تظهر هذه الأرقام اتساع حضور المنهاج الإسرائيلي بين الطلبة الفلسطينيين في القدس، شهد مطلع العام الجاري إجراءات طالت الكادر التعليمي، مع إلغاء تصاريح معلمين من الضفة الغربية ومنع عدد منهم من الوصول إلى مدارسهم في المدينة.
وتوضح أعسيلة أن القيود على وصول المعلمين انعكست على انتظام العملية التعليمية، ودفعت نحو 25 ألف طالب إلى المشاركة في إضراب شامل منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، احتجاجا على منع معلمين من الوصول إلى مدارسهم.
ويوم 21 يناير/كانون الثاني 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي تشريعا يقيّد توظيف حملة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في جهاز التعليم، ويطال التوظيف كمعلمين ومديري مدارس ومفتشين تربويين.
وفي القدس، يعمل نحو 6700 معلم ومعلمة، وفقا لرانيا أعسيلة، ويحمل قرابة 60% منهم شهادات صادرة عن مؤسسات تعليم عال فلسطينية.

من المنهاج إلى بنية التعليم
وترى المستشارة التربوية المقدسية ديمة السمان أن الإجراءات التي باتت تطال المعلمين ومؤهلاتهم تأتي ضمن تحول أوسع في سياسات أسرلة التعليم في القدس، بعدما تركز التدخل الإسرائيلي لسنوات على الكتب المدرسية والمضامين والرواية التاريخية، قبل أن يمتد إلى التمويل والترخيص والكادر التعليمي.
وتقول السمان للجزيرة نت إن “التدخل اليوم يشمل المدرسة كمنظومة كاملة: الإدارة، والمعلم، وآليات التوظيف والتأهيل”، مشيرة إلى أن التشريع الإسرائيلي الذي يقيّد توظيف حملة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية يعكس هذا التحول.
ولا يجري التأثير في اختيار الكادر بالضرورة من خلال تعيين مباشر للمعلم أو مدير المدرسة، إذ توضح أن شروط المؤهلات والاعتماد الأكاديمي وإجراءات الترخيص والتمويل تتيح التدخل في تحديد من يستطيع العمل داخل المؤسسة التعليمية، وتؤثر في مساحة إدارتها لشؤونها.
ويزيد تعدد المرجعيات التعليمية في القدس المشهد تعقيدا، إذ تعتبر السمان أن توزع المدارس بين جهات مختلفة “أضعف القدرة على بناء سياسة تعليمية فلسطينية مركزية، وصعّب توحيد المعايير والدفاع عن المدارس”.
أما إدارة المدارس لشؤونها اليومية في مدينة القدس فلا تعني، وفق السمان، امتلاكها كامل القرار، إذ تقول إنه “لا توجد جهة واحدة تدير المشهد بالكامل”، في وقت تعمل فيه المؤسسات التعليمية ضمن شروط تتعلق بالترخيص والتمويل والمناهج والمؤهلات والتصاريح.
وتضيف: الإدارة اليومية لا تمثل مركز القرار النهائي، بل تعمل ضمن شروط تحددها هذه المنظومة، مع تفاوت حجم التدخل بحسب نوع المدرسة ومرجعيتها.

وفي هذا الواقع، تضع السمان الاقتحامات والتمويل والترخيص والتشريعات ضمن سياق واحد، وتصفها بأنها “أدوات متعددة ضمن منظومة واحدة” تؤثر في استقلالية المؤسسة التعليمية الفلسطينية.
وتؤكد ديمة السمان أن التحول الأبرز في السياسة الإسرائيلية تجاه التعليم في القدس انتقال من التأثير في المحتوى إلى التأثير في البنية، ليطال المدرسة بمكوناتها المختلفة، من الطالب والمعلم إلى الإدارة والمحتوى التعليمي.
المصدر: الجزيرة