مفارقة الدبلوماسية والنار.. هل تقترب واشنطن وطهران من استئناف الحرب؟

تعيش الأزمة الأمريكية الإيرانية مفارقة حادة، ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة تبادل المقترحات عبر الوسطاء، تتصاعد على الجانب الآخر تحضيرات عسكرية أمريكية في المنطقة.

هذا التناقض بين أوراق الدبلوماسية والخرائط العسكرية يطرح تساؤلا ملحا: هل اقتربت لحظة استئناف الحرب؟

استعدادات لضربة أمريكية

تأخذ المؤشرات العسكرية طابعا جديا، وهو ما عكسته معلومات نقلها مراسل الجزيرة في واشنطن ناصر الحسيني عن السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، الذي أكد وجود “خطط فعلية لضربة عسكرية وشيكة ضد إيران”، مشيرا إلى استعداد عسكري أمريكي واسع.

وأوضح السيناتور أن معلوماته، استقاها من اجتماعات عقدها في الأيام الماضية مع مسؤولين ومبعوثين من الرئيس دونالد ترمب.

كما أشار مراسل الجزيرة إلى عقد اجتماعات منفصلة مع القيادات العسكرية الأمريكية للتحضير لهذا العمل المحتمل.

وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تدرس خيارات تشمل استخدام “قنابل فرط صوتية” لضرب مواقع محددة داخل إيران، إلى جانب تدارس خطط لشن عمليات برية قد تتضمن السيطرة على جزر ومناطق إيرانية.

هذه المعطيات تتقاطع مع تسريبات أوردتها مجلة “تايم” وموقع “أكسيوس”، تفيد بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر قدم إحاطة للرئيس ترمب تضمنت خيارات تهدف إلى “كسر الجمود” في المفاوضات.

وبحسب مصادر مطلعة، تضمنت الخطة موجة ضربات “قصيرة وقوية”، فضلا عن احتمالية تنفيذ عملية للقوات الخاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.

من جانبها، أوردت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في تحليل لها، أن الخيارات المطروحة قد تشمل السيطرة البرية على أجزاء حاكمة في مضيق هرمز.

الأدميرال براد كوبر (يسار) إلى جانب وزير الحرب بيت هيغسيت خلال مؤتمر صحفي عُقد في 16 أبريل/نيسان (الفرنسية)

الرد الإيراني المحتمل

في مقابل تلويح واشنطن بالعصا، برز موقف إيراني يرفض تقديم التنازلات تحت النار.

إعلان

فقد تعهد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، بالدفاع عن التقنيات الأساسية لبلاده “من النانو والبيولوجيا إلى النووي والصواريخ”، معتبرا إياها رأسمالا وطنيا سيحمى كما تحمى “الحدود البرية والبحرية”.

وأضاف أن الأجانب لا مكان لهم في الخليج “إلا في قاع مياهه”.

ولم يقف الأمر عند التصريحات السياسية، بل امتد للوعيد العسكري، إذ نقلت وسائل إعلام رسمية تحذيرا عن قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري من أي هجوم جديد، وقال “لقد رأينا مصير قواعدكم في المنطقة، وسنرى الشيء نفسه يحدث لسفنكم”، متوعدا بضربات “طويلة ومؤلمة”.

بدوره، اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن ما تمارسه واشنطن من حصار بحري هو “امتداد للعمليات العسكرية ضد أمة تدفع ثمن استقلالها”، واصفا استمرار هذا النهج بأنه “غير قابل للاحتمال”.

صورة بثها التلفزيون الإيراني ل مجتبى خامنئي
رأى مجتبى في رسالة الخميس أن الولايات المتحدة هُزمت في حربها على إيران (التلفزيون الإيراني)

مقترحات متبادلة وتحذير باكستاني

وسط هذه الأجواء المشحونة، تحاول الدبلوماسية التقاط أنفاسها، فقد قدمت إيران أحدث مقترحاتها ليل الخميس عبر إسلام آباد، إلا أن ترمب أبدى عدم رضاه.

وصرح ترمب من البيت الأبيض: “إنهم يطلبون أمورا لا يمكنني القبول بها”، معتبرا أن القادة الإيرانيين لا يعرفون كيف يبرمون صفقة.

وجاء هذا المقترح الإيراني ردا على شروط أمريكية، حيث كشف موقع “أكسيوس” أن واشنطن كانت قد أرسلت يوم الاثنين الماضي قائمة تعديلات تركز على إعادة الملف النووي لصلب الاتفاق، وتطالب إيران بتعهد خطي بعدم نقل أي يورانيوم مخصب أثناء المفاوضات، وعدم استئناف نشاط المنشآت التي قصفت سابقا.

وأمام تسارع الأحداث، دخلت باكستان على خط التهدئة، حيث نقل مصدر في رئاسة الوزراء الباكستانية للجزيرة أن إسلام آباد “طالبت ترمب بتعليق اتخاذ قرار عسكري كبير في هذه المرحلة”، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من فرص الحل السلمي.

A Pakistani Ranger walks past a billboard for the US-Iran peace talks in Islamabad on April 12, 2026.
جندي باكستاني يمر أمام لوحة إعلانية لمحادثات السلام بين أمريكا وإيران في إسلام آباد (الفرنسية)

 ضغوط القانون والاقتصاد

تتزامن هذه التطورات مع انتهاء المهلة القانونية (60 يوما) التي يلزم بها “قانون صلاحيات الحرب” الرئيس الأمريكي بالحصول على تفويض من الكونغرس.

وفي حين يجادل وزير الحرب بيت هيغسيت بأن الهدنة أوقفت عداد المهلة، يرفض المشرعون ذلك، بينما يلمح ترمب للمضي قدما معتبرا المطالبين بالالتزام بالإجراءات الدستورية “غير وطنيين”.

اقتصاديا، يلقي الصراع بظلاله الثقيلة على الأسواق، فبحسب التقارير، أدى اضطراب الملاحة في هرمز إلى قفزة في أسعار خام برنت إلى 126 دولارا للبرميل، وارتفاع أسعار الوقود في أمريكا.

الخلاصة

تقف المنطقة اليوم أمام مشهد دقيق، فبين دعوات التهدئة الباكستانية ومساعي الوساطة، تستمر واشنطن في تحديد خياراتها العسكرية وتستنفر طهران قدراتها الردعية.

المفارقة هنا تشير إلى أن وتيرة المقترحات الدبلوماسية لم تعد قادرة على مجاراة سباق التسلح والتأهب، على نحو يجعل الانزلاق نحو استئناف العمل العسكري خيارا مطروحا بقوة على طاولة القرار.

 

المصدر: الجزيرة