لم يكن اللقاء الذي جمع بين وفد سوري رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، مع وفد إسرائيلي، بوساطة أمريكية في الأردن، الأول من نوعه من ناحية اللقاءات المباشرة بين الجانبين، لكنه شكّل مشهدا يعكس حجم التحول في العلاقة، حيث انتقلت الاتصالات من إطار الرسائل الضمنية إلى الطاولة المباشرة.
فمنذ عقود، ورغم سيطرة القوات الإسرائيلية على أراضي الجولان السورية، كانت الحدود بين الجانبين منضبطة بشكل كبير، وشكّلت جدارا صلبا أُسست قواعده بالمدفعية والدبابات، واستمر عبر عقود من التفاوض المعقّد والمواجهات غير المباشرة.
إلا أن التحولات الأخيرة في المشهد السوري أطاحت بجميع قواعد اللعبة القديمة، لتبدأ مرحلة جديدة فرضتها التحركات الميدانية المتسارعة واللقاءات الأمنية غير المسبوقة.
إذ أوضحت المصادر الرسمية السورية أن اللقاء يأتي في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في أعقاب القصف الإسرائيلي الأخير للأراضي السورية، وتصاعد التوترات في جنوب سوريا، ومن أجل دعم الاستقرار في سوريا والمنطقة.
ونستعرض في التقرير التالي أبرز الأحداث التاريخية التي رسمت مسار العلاقة بين الجانبين منذ اللحظة الأولى القائمة على العداء، إلى اللحظة الحالية الباحثة عن مسار للتهدئة والاستقرار دون التنازل.
من العداء المباشر إلى الهدنة
لم يكد يمر عامان على حصول سوريا على استقلالها عن الانتداب الفرنسي في أبريل/نيسان عام 1946، حتى اندلعت الحرب بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية التي أقامت الكيان الإسرائيلي قبل أن يتحول إلى دولة عام 1948.
وعلى الجانب السوري، اتسمت العلاقة بعد الاستقلال مع الجانب الإسرائيلي بالعداء المباشر والمواجهة العسكرية الشاملة؛ إذ رفضت إدارة الرئيس شكري القوتلي قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة، واحتضنت دمشق مقر اللجنة العسكرية التابع لجامعة الدول العربية، وساهمت بشكل رئيسي سواء من خلال قواتها أو في تمويل وتجهيز “جيش الإنقاذ العربي” لإرسال المتطوعين إلى فلسطين.
لكن تداعيات هزيمة الجيوش العربية في حرب عام 1948 ساهمت في زعزعة استقرار حكم القوتلي؛ مما فتح الباب أمام أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث، بقيادة حسني الزعيم في مارس/آذار 1949.
وبعد مفاوضات شاقة استمرت أكثر من 3 أشهر برعاية الأمم المتحدة، تم التوصل لتسوية تقضي بانسحاب الجيش السوري من الأراضي المحتلة، مقابل تحويلها إلى “مناطق منزوعة السلاح” لا تخضع للسيادة العسكرية لأي طرف، ترجمت لاحقا باتفاقية الهدنة الإسرائيلية السورية الموقعة في 20 يوليو/تموز 1949، لتكون آخر اتفاقية هدنة تُوقَّع بين إسرائيل والدول العربية المجاورة بعد النكبة.
ونصت الاتفاقية صراحة على أن خط الهدنة المُعتمد هو خط عسكري مؤقت لاستتباب الأمن، ولا يمثل الحدود الدولية النهائية ولا يمس بالحقوق السياسية لأي طرف، كما تشكّلت لجنة هدنة سورية إسرائيلية مشتركة برئاسة رئيس بعثة مراقبي الأمم المتحدة، لمراقبة تطبيق الاتفاقية وحل النزاعات والشكاوى الحدودية.
دخلت سوريا بعد ذلك في دوامة من الانقلابات العسكرية والصراع على الحكم، وسرعان ما تحولت “المناطق منزوعة السلاح” إلى مصدر نزاع دائم؛ حيث حاولت إسرائيل ممارسة السيادة الكاملة عليها وتجفيف بحيرة الحولة واستصلاح الأراضي، بينما اعتبرت سوريا ذلك خرقا للهدنة وطالبت بطرد إسرائيل من الأمم المتحدة، لكنّ الاشتباكات الحدودية تكررت طوال فترة الخمسينيات والستينيات.

نزاع حدودي ودعم للعمل الفدائي
بعد انهيار الوحدة مع مصر، سيطر حزب البعث العربي الاشتراكي على مقاليد السلطة عام 1963، ورغم تقلب لؤي الأتاسي وأمين الحافظ ونور الدين الأتاسي على كرسي رئاسة الجمهورية، كان الأمين العام المساعد لحزب البعث اللواء صلاح جديد المتحكم بشؤون البلاد، بينما كان حافظ الأسد يشغل منصب وزير الدفاع والقائد العام لسلاح الجو .
اتسمت بداية حكم حزب البعث في سوريا بتصاعد للصراع مع إسرائيل، حيث تحولت دمشق من سياسة “إدارة النزاع الحدودي” إلى المواجهة الأيديولوجية والعسكرية المباشرة، ورفع البعث شعار الرفض المطلق لأي تسوية، واعتبر إسرائيل كيانا استعماريا يجب إزالته، متبنيا فكرة الدعم المباشر لعمليات الفدائيين الفلسطينيين وتدريبهم في الأراضي السورية.
في تلك الفترة، دخل إلى سوريا رجل الأعمال المغترب كامل أمين ثابت، ونجح في نسج علاقات وثيقة جدا مع كبار قادة حزب البعث والنخب العسكرية والسياسية، وتمكّن من زيارة التحصينات العسكرية السورية في الجولان، قبل أن يكتشف أنه جاسوس إسرائيلي ويُدعى إيلي كوهين، حيث قام بالتقاط صور ونقل معلومات استخباراتية إلى تل أبيب، لتحكم عليه السلطات لاحقا بالإعدام، وتشنقه في ساحة المرجة بدمشق في مايو/أيار 1965.
شكّلت فضيحة كوهين صدمة وإحراجا هائلا لقيادة حزب البعث، وكانت أحد العوامل التي زادت من الصراعات والتخوينات الداخلية بين أجنحة الحزب، ما مهد لانقلاب عام 1966 وتعيين نور الدين الأتاسي رئيسا للبلاد.
فتحت دمشق حدودها، ودعمت حركة فتح بقيادة ياسر عرفات للقيام بعمليات فدائية داخل العمق الإسرائيلي، أصبحت سوريا توفر الغطاء والتدريب للفدائيين، بينما كان الجانب الإسرائيلي يواصل استفزازاته وتهديداته للجانب السوري على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ليفي أشكول.

خسارة الجولان
في أبريل/نيسان عام 1967 -قبل النكسة بشهرين فقط- اندلعت اشتباكات عنيفة بالمدفعية على الحدود، تطورت إلى معركة جوية كبرى فوق دمشق والجولان؛ إذ تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من إسقاط 6 طائرات ميغ سورية، وقامت الطائرات الإسرائيلية بالتحليق الاستعراضي فوق العاصمة دمشق.
اندلعت حرب يونيو/حزيران 1967، وفي صباح اليوم السادس والأخير، صدر عن وزارة الدفاع السورية بأمر من حافظ الأسد “البلاغ رقم 66″، والذي أعلن سقوط القنيطرة بيد العدو ودعا الجيش للانسحاب الكيفي، بينما لم تكن القوات الإسرائيلية قد وصلت إليها فعليا.
أدى هذا البلاغ إلى انسحاب عشوائي وحالة إرباك وشلل في صفوف الجيش السوري على الحدود، مما مكن القوات الإسرائيلية من دخول الجولان والقنيطرة دون مقاومة تُذكر، واعتبر المعارضون لحزب البعث هذا البلاغ إما خطأ عسكريا قاتلا أو “تسليما معتمدا”.
ردا على هذه الخسارة المدوية، أسست القيادة السياسية بقيادة صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ذراعا فدائيا مسلحا يتبع مباشرة لحزب البعث تحت اسم “الصاعقة”، وتبني عقيدة “حرب الشعب التحريرية” لجمع المتطوعين الفلسطينيين والسوريين وتنفيذ عمليات خاطفة لتأكيد استمرار المقاومة رغم الهزيمة.
سرعان ما تحوّلت “الصاعقة” إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية بين جناحَي السلطة، السياسي بقيادة صلاح جديد من جهة، والعسكري بقيادة حافظ الأسد من جهة مقابلة، انتهت بسيطرة الأخير على مقاليد الحكم في سوريا عام 1970.
الجبهة الأهدأ بعد الحرب
سعيا لاستعادة الأراضي المحتلة في الجولان وسيناء، وبعد استنفاد الحلول الدبلوماسية، اتفق حافظ الأسد وجمهورية مصر العربية بقيادة أنور السادات على فتح الجبهتين (الشمالية والجنوبية) في وقت واحد لإرباك الجيش الإسرائيلي وتشتيت قوته، لتندلع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
نجحت القوات السورية في الأيام الأولى للحرب من اختراق الخطوط الإسرائيلية بالكامل، وعبرت الدبابات السورية نحو عمق الجولان ووصلت إلى مشارف بحيرة طبريا ومدينة القنيطرة، قبل أن تبدأ القوات الإسرائيلية باستعادة المبادرة الميدانية بعد وصول الدعم الجوي والبري المكثف.
انتهت المعارك بتوقيع اتفاقية “فك الاشتباك” عام 1974 برعاية وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، والتي أرست منطقة عازلة برعاية أممية حافظت على هدوء نسبي للحدود لسنوات طويلة، استعادت من خلالها سوريا مدينة القنيطرة، بعد أن قامت القوات الإسرائيلية بتدمير بنيتها التحتية ومبانيها بالكامل، بينما بقيت مرتفعات الجولان تحت الاحتلال.
بقيت الاتفاقية سارية المفعول لـ50 عاما متواصلة خلال عهدي حافظ الأسد ونجله بشار الأسد، والتزم النظام السوري ببنود الاتفاقية بشكل دقيق، ليتشكل بموجبها “أهدأ خط حدودي” في الشرق الأوسط بين دولتين في حالة حرب رسمية.
لكنّ حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار نقلا خطوط المواجهة والرسائل النارية مع إسرائيل كليا إلى الساحة اللبنانية، عبر دعم الفصائل الفلسطينية ثم حزب الله لاحقا، متمسكين بتبني خطة “التوازن الإستراتيجي” دون توريط الجبهة السورية المباشرة.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، جرت لقاءات ومفاوضات سورية إسرائيلية مباشرة، كان أولها في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ثم مفاوضات واشنطن وواي ريفر بين عامي 1992 و1996 لبحث السلام ومسألة الانسحاب من الجولان، كما التقى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى عام 2000.
ساحة للضربات
لم يكن الهدوء على الحدود كافيا للجانب الإسرائيلي، فامتدت يده على مدى سنوات لتطال العمق السوري بالقصف والاستهداف وبحجج متنوعة، كان من بينها تدمير المفاعل النووي السوري (المعروف بموقع الكبر) في محافظة دير الزور عام 2007 عبر غارة جوية سريّة، لم تعترف إسرائيل بتنفيذها حتى عام 2018.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اعتمدت تل أبيب إستراتيجية القصف المتكرر لمنع التموضع الإيراني ونقل السلاح النوعي، متجنبة المواجهة المباشرة مع هيكل الدولة، مع الإبقاء على خطوط التماس التقليدية قائمة برعاية رسمية.
وكثفت إسرائيل غاراتها بين عامي 2021 و2023 ووصلت إلى حد استهداف مكثف لمطاري دمشق وحلب الدوليين لشل مدرجات الهبوط، كما دمرت غارة إسرائيلية مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق عام 2024، وأسفرت عن مقتل القائد في الحرس الثوري محمد رضا زاهدي.

ومنذ اللحظة الأولى لوصول قوات ردع العدوان إلى دمشق وسقوط حكم بشار الأسد، شنت إسرائيل مئات الغارات الجوية المكثفة خلال أيام قليلة بحجة تدمير الذخائر والأسلحة الإستراتيجية، واستهدفت سلاح الجو، والسفن والمراكز الحربية، ومطار أبو الظهور، لمنع وقوعها بأيدي السلطة الجديدة.
كما أعلنت إسرائيل إعادة التقييم الميداني، وشهد الجنوب السوري توغلات إسرائيلية تجاوزت حدود الهدنة للسيطرة على نقاط حيوية خارج المنطقة العازلة، وأعلنت تل أبيب أن اتفاقية “فك الاشتباك” لعام 1974 باتت ملغاة لغياب النظام الموقّع عليها.
بررت إسرائيل هذا التوغل بإقامة “منطقة أمنية عازلة مؤقتة” لتجريف التهديدات ومنع وصول أي مجموعات مسلحة غير منظمة إلى الحدود، لكنها وصلت إلى حد تنفيذ اختراقات شبه يومية في القنيطرة ودرعا، وكثفت إسرائيل تواصلها مع المكونات المحلية في الجنوب السوري، بحجة ضمان عدم تشكّل بيئة معادية على حدودها.
وشهد العامان الماضي والحالي تصعيدا في الرسائل التهديدية الإسرائيلية للقيادة السورية الجديدة، تمثل بغارات طالت مجمع القصر الرئاسي، ومبنى وزارة الدفاع في ساحة الأمويين، ومقرات الاستخبارات والأمن القومي بكفرسوسة، إلى جانب التدمير الشامل لمرافق إستراتيجية كمطار أبو الظهور العسكري ومراكز البحوث العلمية والمنشآت البحرية.
المصدر: الجزيرة