تمضي مصر رسميا في مسار لدعم السعودية في مواجهتها مع جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بدءا من تعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدفاع عن المملكة، مرورا باجتماع مجلس الدفاع الوطني وإعلان الاستعداد لتقديم الدعم، وصولا إلى مناقشات البرلمان بشأن تفويض محتمل للقوات المسلحة، قبل أن يقرر المجلس تأجيل التصويت إلى الأسبوع المقبل في ظل تباين آراء النواب بشأن طبيعة التحرك العسكري المحتمل وحدوده وتداعياته.
وتزامنت هذه التحركات مع رصد طائرتي شحن عسكريتين مصريتين في الأجواء السعودية، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الدعم المصري المحتمل.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
ويستعرض هذا التقرير تسلسل الخطوات المصرية ودلالاتها السياسية والعسكرية، فضلا عن السيناريوهات المحتملة للتحرك المصري وحدوده.
إعلان السيسي
بدأت الخطوات الجديدة -السبت- خلال كلمة ألقاها السيسي في حفل تخريج دفعة من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، أكد فيها أن القاهرة لن تسمح بالمساس بأمن السعودية واستقرارها، معلنا استعداد بلاده لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن المملكة.
وطلب الرئيس المصري من مجلس النواب عقد جلسة طارئة لمنحه تفويضا باتخاذ إجراءات لحماية السعودية إذا اقتضت الضرورة، في خطوة تعكس توجه القاهرة إلى توفير غطاء مؤسسي لأي تحرك عسكري محتمل، بدلا من الاكتفاء بإعلان التضامن السياسي.
وشدد السيسي على أن مصر لا تسعى إلى الحرب أو مهاجمة أي طرف، وإنما تتحرك بدافع الدفاع والحماية، داعيا الأطراف المعنية إلى العمل على وقف الحرب في المنطقة. كما أكد أن أي تحرك سيكون في إطار التوجيهات السعودية، مشيرا إلى الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
ولم يقتصر الخطاب على الاعتبارات العسكرية؛ إذ استعاد السيسي الدعم الاقتصادي الذي قدمته السعودية والإمارات والكويت لمصر بعد عام 2013، بما شمل إمدادات النفط والغاز والقمح، في إشارة إلى الروابط السياسية والاقتصادية التي تستند إليها القاهرة في تبرير موقفها.
قرار مجلس الدفاع
انتقلت التحركات صباح الأحد إلى المستوى الأمني والمؤسسي، مع اجتماع مجلس الدفاع الوطني المصري برئاسة السيسي في قصر الاتحادية، وبمشاركة مسؤولين كبار، بينهم رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة.
وأعلن المجلس تضامنه الكامل مع السعودية، وقراره تقديم “جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمن المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها وصون مقدراتها والمقدسات الإسلامية”، في ظل ما وصفه بتصاعد الاعتداءات التي تتعرض لها.
وأكد أن الموقف المصري يستند إلى العلاقات التاريخية والروابط الوثيقة بين البلدين، وإلى ارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي.
وفي الوقت نفسه، شدد المجلس على مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، بهدف خفض التصعيد وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية.
وقال محرر الشؤون المصرية في الجزيرة عبد الفتاح فايد إن اجتماع مجلس الدفاع الوطني المصري يعكس انتقال الدعم المصري للسعودية من مرحلة التضامن السياسي والدبلوماسي إلى الاستعداد لاتخاذ إجراءات تنفيذية عند الضرورة، في ظل تصاعد الأزمة الإقليمية.
وأوضح فايد أن مجلس الدفاع الوطني لا يجتمع عادة إلا في الظروف الاستثنائية وحالات الطوارئ، مشيرا إلى أن انعقاده لمناقشة سبل الدفاع عن السعودية يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة.
وأضاف أن طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها القاهرة لم تتضح بصورة نهائية، وقد تندرج في إطار الاستعدادات القانونية والبرلمانية والسياسية واللوجستية، تحسبا لاحتمال تصاعد الأزمة وعدم التوصل إلى تسوية عبر المسارات الدبلوماسية.
جلسة طارئة للبرلمان
وعقد مجلس النواب جلسة طارئة -الأحد- لبحث طلب السيسي، لكن الجلسة انتهت من دون تصويت نهائي على قرار الدعم الدفاعي للسعودية.
واليوم الاثنين، قرر البرلمان المصري تأجيل التصويت إلى الأسبوع المقبل، إذ أكدت مصادر للجزيرة أن جلسة اليوم انتهت دون تصويت، وتقرر تأجيله إلى الاثنين المقبل 26 أكتوبر/تشرين الأول.
وتباينت مواقف الأحزاب صاحبة الهيئات البرلمانية في مجلس النواب بشأن التفويض الذي طلبه السيسي، لتقديم الدعم اللازم للسعودية، بين التأييد باعتباره خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي العربي، والتحفظ في ظل غياب تفاصيل كافية بشأن طبيعة المهام العسكرية وتكاليفها والتداعيات المحتملة.
وأعلنت هيئات برلمانية لأحزاب الوفد والشعب الجمهوري والعدل نيتها التصويت لمصلحة التفويض، بينما أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي عزمه الامتناع عن التصويت، بسبب ما وصفه بغياب المعلومات الكافية عن طبيعة المهمة والتكاليف المترتبة عليها.
ويستند طلب السيسي إلى المادة 152 من الدستور المصري، التي تنظم إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، وتشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.
وتبرز أهمية هذا الإجراء في أن إعلان الاستعداد للمساعدة لا يساوي تلقائيا اتخاذ قرار بإرسال قوات إلى الخارج. فالتفويض المحتمل يوفر الغطاء الدستوري اللازم لأي مهمة قتالية، لكنه لا يحدد وحده طبيعة المهمة أو توقيت تنفيذها أو حجم القوات المشاركة.
ولهذا اكتسبت النقاشات البرلمانية أهمية إضافية، إذ طالب بعض النواب بمعلومات أكثر تفصيلا قبل التصويت، في حين رأى مؤيدو التفويض أن توفير الغطاء القانوني يتيح للدولة الاستجابة إذا طلبت السعودية مساعدة دفاعية.
طائرتان عسكريتان في الأجواء السعودية
بالتزامن مع اجتماع مجلس الدفاع الوطني والجلسة البرلمانية الطارئة، رصدت بيانات ملاحية ظهور طائرتي شحن عسكريتين تابعتين للقوات الجوية المصرية في الأجواء السعودية صباح الأحد.
ووفقا لتقرير وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة، فإن الطائرتين من طراز “لوكهيد سي-130 هيركوليز”، وظهرتا داخل المجال الجوي السعودي بين الساعة 8:24 و11:15 صباحا بتوقيت مكة المكرمة، قبل اختفاء إشاراتهما بعد عبور أجواء جدة والتوغل باتجاه الشرق.
ورصدت البيانات لاحقا ظهور إحدى الطائرتين فوق شمال غرب المدينة المنورة عند الساعة 2:48 ظهرا، قبل أن تختفي إشارتها مجددا أثناء تحليقها باتجاه الشمال الغربي فوق منطقة الوجه المطلة على البحر الأحمر.
ولم تتمكن الجزيرة من التحقق بصورة مستقلة من مكان هبوط الطائرتين.

ما حدود الدعم المصري؟
في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أوسع، تتباين التقديرات بشأن أشكال الدعم المصري المحتمل، بين المساندة الدفاعية والتنسيق الاستخباري والعسكري واللوجستي، مع استبعاد الانخراط في مواجهات مباشرة مع الحوثيين أو إيران.
وتتراوح السيناريوهات التي طرحها خبراء تحدثوا للجزيرة بين التنسيق العسكري والاستخباري، وتبادل المعلومات، والدعم الفني واللوجستي، والمساندة الدفاعية في مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية.
واستبعد الخبراء أن يكون الانخراط في مواجهات برية مباشرة مع الحوثيين داخل اليمن الخيار الأفضل، بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية المعقدة لليمن وما تفرضه من تحديات عسكرية.
كما حذروا من أن توسيع المواجهة قد يهدد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ويزيد الأعباء الاقتصادية والأمنية على مصر.
وقال السفير معتز أحمدين -مندوب مصر الدائم الأسبق لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن– إن الدور المصري سيقتصر على الدفاع عن المملكة، ولن يمتد إلى المشاركة في هجمات عسكرية ضد إيران أو جماعة الحوثيين.
وأوضح أن الدعم المصري المحتمل يستهدف توفير المساندة اللازمة للدفاع عن السعودية، بما يحافظ على أمن المملكة وسلامة أراضيها ومقدراتها والتصدي للهجمات التي تتعرض لها.
وأشار الخبراء إلى أن طلب التفويض لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة في عمليات قتالية، إذ يتيح التفويض -إذا أُقر- غطاء قانونيا للتحرك المحتمل، بينما تظل طبيعة المهمة الفعلية مرتبطة بالتطورات الميدانية والاحتياجات السعودية والقرار السياسي المصري.
وفيما يتعلق بالقدرات التي تمتلكها القوات المسلحة المصرية وجاهزيتها لتقديم الدعم للسعودية، يشير الخبير العسكري والإستراتيجي العميد سمير راغب إلى أن مصر تمتلك قدرات بحرية عسكرية تغطي نطاقا واسعا من خليج السويس حتى المحيط الهندي والخليج.
كما تضم قوات جوية بمقاتلات حديثة مثل رافال و”ميغ-29″ و”إف-16″، إلى جانب خبرات وأنظمة دفاع جوي متكاملة ومتوافقة مع أنظمة المملكة مثل منظومة “باتريوت”.
ما الذي يدفع القاهرة إلى دعم الرياض؟
يرى محللون أنه لا يمكن فصل التحركات المصرية عن مجموعة من الاعتبارات المتداخلة، أبرزها:
- أمن الخليج والبحر الأحمر: ترى القاهرة أن أي تدهور واسع في أمن السعودية والخليج يمكن أن ينعكس على أمنها القومي، خصوصا في ظل التهديدات للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما يرتبط بها من مصالح مصرية في قناة السويس.
- العلاقات الإستراتيجية والاقتصادية: أشار السيسي إلى الدعم الخليجي الذي تلقته مصر بعد عام 2013. وتلفت رويترز إلى اعتماد الاقتصاد المصري على تحويلات العاملين في دول الخليج، فضلا عن الاستثمارات والمساعدات والودائع التي قدمتها السعودية ودول خليجية أخرى للقاهرة.
- تصاعد التهديدات العسكرية: أدت زيادة الهجمات الحوثية على البنية التحتية السعودية إلى رفع مستوى المخاوف من اتساع المواجهة.
المصدر: الجزيرة