يواجه مجرى نهر الفرات في محافظة المثنى جنوبي العراق تدهورا بيئيا وصحيا غير مسبوق، إثر استمرار عمليات تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة ودون انقطاع عبر عشرات المصبات.
وحوّل هذا الواقع شريان الحياة الرئيسي في المنطقة إلى مصدر للقلق المتزايد بين المواطنين والجهات المختصة، وسط تحذيرات جادة من تداعياته المدمرة على الصحة العامة والمنظومة البيئية بأكملها، حسب الصحفي بكر عبيدي.
وفي هذا السياق، يدق الناشط البيئي عبيدة محمد ناقوس الخطر، مؤكدا أن رمي المياه الآسنة والمجاري في نهر الفرات يمثل المسبب الرئيسي لانتشار أمراض خطيرة، وعلى رأسها الفشل الكلوي وأمراض الجهاز الهضمي.
ويوضح محمد للجزيرة أن تكاليف العلاج تفرض أعباء مالية ونفسية باهظة على الأهالي، في محافظة تعاني أساسا من نقص حاد في الخدمات وارتفاع معدلات الفقر التي تتجاوز حاجز 52%.
ويضيف أن الأثر التدميري للتلوث لم يقتصر على البشر، بل تسبب في تراجع حاد في أعداد الثروة السمكية والحيوانية، وأدى إلى نمو نباتات مائية ضارة أخلت بالتوازن البيئي، فضلا عن تلويث مياه الإسالة التي تغذي مناطق شاسعة في جنوب وشرق المحافظة.
وعلى الجانب الآخر، تنعكس هذه الأزمة بشكل مأساوي على تفاصيل الحياة اليومية للأهالي، إذ يروي المواطن أحمد حسين معاناة السكان المستمرة للحصول على مياه شرب آمنة، مشيرا إلى أن المياه التي تصل إلى صنابير المنازل تكون ملوثة، ومتغيرة اللون، وذات طعم سيئ، مما تسبب في تفشي الأوبئة.
ويلفت حسين إلى أن هذا التلوث دمر مساحات واسعة من البساتين والمزارع وألحق أضرارا جسيمة بالمواشي، مما يدفع الأهالي اليوم إلى استخدام ما بين 10 إلى 15 فلترا لتنقية المياه بصعوبة قبل شربها.
من جانبها، تقر الإدارة المحلية بحجم الكارثة وتؤكد بدء خطوات عملية لاحتوائها، إذ يوضح سامر سلطان، رئيس لجنة الخدمات والطاقة في مجلس المحافظة، أن أزمة المصبات هي تركة ثقيلة تعود لأكثر من نصف قرن، ولم تحظَ سابقا سوى بحلول ترقيعية ومؤقتة.
وأشار سلطان إلى وجود جهود حثيثة أثمرت مؤخرا عن إحالة مشروع مجاري “الصوب الكبير” إلى إحدى الشركات لربط كافة المصبات بمحطة معالجة مركزية، إلى جانب توقيع عقد مشروع “الصوب الصغير” لإنشاء وحدة معالجة تقضي على 4 مصبات أخرى قريبا.
كما أعلن عن تنسيق مباشر لتمديد أنبوب يبعد مصب شط السوير عن النهر وربطه بمبزل الفرات الشرقي، مشددا على أن شح المياه وبطء جريان الفرات ضاعفا من تركيز الملوثات، وأن معالجة هذا الملف تمثل أولوية قصوى ستشهد انفراجة حقيقية لإنهاء هذا الخطر البيئي الجسيم.
وتشغل المثنى ثاني أكبر مساحة جغرافية بين محافظات العراق رغم أنها الأقل سكانا. ورغم هويتها الزراعية التاريخية، فإن انحباس الأمطار والتراجع الحاد في مناسيب مياه نهر الفرات قوضا إنتاجها الزراعي إلى حد كبير، مما عمّق الأزمة التنموية والمعيشية في المحافظة.
المصدر: الجزيرة