لا تنتهي الحروب بانتهاء القتال، فثمة إرث ثقيل يبقى أبعد من الدمار والفقد، يتركز في الأرض ويستمر عقودا، إذ تتحول التربة والمياه وحتى الهواء إلى خزانات سموم عامرة بالمعادن الثقيلة. وفي عالم يعتمد على سلاسل الغذاء ويقوم على التجارة العالمية والمياه المشتركة لا يبقى أحد بمنأى عن التأثير.
بهذه الطريقة تواصل الحرب رسم معاناة خفية للأجيال الجديدة، عبر مشكلات صحية وسلوكية ونفسية يصعب أحيانا ردها إلى سبب واحد واضح. لكن هل يمكن للأفراد فعل شيء حقيقي للتخفيف من هذه الآثار؟
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
ندوب كيميائية لا تنتهي بانتهاء المعارك
في حرب الخليج عام 1991، كانت التوقعات متشائمة بشأن أثرها على الهواء والبر والبحر، لكن الواقع تجاوز تلك المخاوف. فقد أشارت دراسة نمساوية بعنوان “الآثار البيئية لحرب الخليج عام 1991” إلى نتائج مدمرة، أبرزها:
- حرائق هائلة وانبعاث كميات ضخمة من السخام وثاني أكسيد الكربون جراء تفجير أكثر من 800 بئر نفط، وهو ما أثر في المناخ ودرجات الحرارة بالمنطقة، وتسبب في تشكل بحيرات نفطية على اليابسة وتلوث مئات الكيلومترات من السواحل.
- مقتل عشرات الآلاف من الطيور والكائنات البحرية، وتضرر أشجار المانغروف والبيئات الساحلية بشكل جسيم.

على المنوال نفسه، انطلق باحثان من جامعة شتوتغارت الألمانية عام 2022 لدراسة ما حل بأراضي مدينة الموصل العراقية في مرحلة ما بعد الحرب. وقد خلصت دراستهما المنشورة في مارس/آذار 2026 إلى تقييم مستويات تلوث التربة بالمعادن الثقيلة بين عامي 2022 و2023، عبر قياس عناصر مثل الرصاص والزنك والنيكل. وكانت النتيجة صادمة: نحو 80% من مساحات المدينة متأثرة بمستويات تلوث تتراوح بين العالية والشديدة، طالت التربة والبشر والمناخ معا.
هذه “الندوب الكيميائية” لا تمحى سريعا، ومع كل حرب جديدة يتجدد خطر التلوث بالمعادن الثقيلة، التي تتحول إلى عبء بيئي طويل الأمد. من بين أبرز هذه المعادن: الزرنيخ والكادميوم والكروم والرصاص والنيكل والزئبق والألومنيوم.

أمراض غير متوقعة للتلوث بالمعادن الثقيلة
لا تظهر المعادن الثقيلة في الجسم فجأة، بل تتسلل إليه تدريجيا عبر مسارات متعددة، أهمها:
- مياه الشرب.
- الطعام، خصوصا الخضروات والفواكه والأسماك والمأكولات البحرية.
- الغبار والجسيمات الدقيقة في الهواء.
يمكن أن تؤثر سمية المعادن الثقيلة في وظائف الدماغ والكبد والرئتين، وتغير تركيب الدم. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن تراكم هذه المعادن يرتبط بعدد من المشكلات الصحية، منها على سبيل المثال:
- الرصاص: يسبب اضطرابات في النمو العصبي عند الأطفال، ومشكلات سلوكية وصعوبات في التعلم.
- الزئبق: يؤدي إلى تأثيرات عصبية، وضعف في التركيز، واضطرابات حركية.
- اليورانيوم: يؤثر في الكلى، وترتبط به اضطرابات مناعية وعصبية في بعض الدراسات.

7 عادات لتقليل التعرض للملوثات
رغم الصورة البيئية القاتمة في مناطق الحروب وما حولها، فإن هناك خطوات عملية يمكن للأفراد اتخاذها لتقليل تراكم المعادن الثقيلة في أجسامهم. ويكمن جوهر هذه الخطوات في خفض التعرض للغبار وبقايا التربة، سواء القادمة من الهواء أو العالقة في الغذاء، مع تبني عادات بسيطة، منها:
غسل الخضروات وتقشير الجذور
- إزالة الأوراق الخارجية وتقشير الخضروات الجذرية -مثل الجزر والبطاطس- مع نزع الجذور المتضررة.
- غسل الخضروات جيدا بالماء الجاري، والحرص على الحصول عليها من مصادر موثوقة.
تشير إرشادات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن هذه الخطوات تساعد في تقليل بقايا الرصاص والغبار والمعادن المتراكمة على القشرة الخارجية.
تنويع مصادر الغذاء
- تجنب الاعتماد الطويل على نوع واحد من الطعام -خصوصا من مصدر واحد- قدر الإمكان.
- التنويع في مصادر الخضروات والفواكه والبروتينات يساعد على تقليل التعرض المركز لنوع بعينه من الملوثات، لأن كثافة التعرّض تعتمد أحيانا على نوع الطعام وكميته واستمرارية تناوله.
الحد من استنشاق الغبار
- تقليل التعرض للغبار والأتربة قدر الإمكان.
- ارتداء الكمامة في الأوقات التي يزداد فيها الغبار أو يتصاعد فيها الدخان والملوثات.
- تهوية المنزل بانتظام، مع تنظيف الأسطح التي تتراكم عليها الأتربة.

اختيار مياه شرب آمنة
- شرب كميات كافية من الماء يوميا، مع الحرص على أن تكون من مصدر معروف وآمن.
- تجنب مصادر المياه غير المضمونة أو غير المعالجة.
فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، يحدث جزء كبير من التعرض لمعادن مثل الرصاص والزرنيخ عبر مياه الشرب الملوثة، مما يجعل الاعتماد على مياه معالجة بطريقة احترافية أمرا حاسما لتقليل المخاطر.
الحذر مع الأسماك الكبيرة
- تقليل استهلاك الأسماك الكبيرة التي تقف في قمة السلسلة الغذائية، مثل بعض أنواع القراميط والمبروك والسلمون المرقط.
- تفضيل الأسماك الأصغر حجما والأقصر عمرا، فهي أقل عرضة لتراكم الزئبق في أنسجتها.
تغذية متوازنة تقلل الامتصاص
- الانتباه إلى توازن العناصر الغذائية الأساسية، خصوصا الحديد والكالسيوم.
- توضح منظمة الصحة العالمية أن نقص هذه العناصر قد يزيد من امتصاص الجسم لبعض المعادن الثقيلة مثل الرصاص، بينما يساعد توفرها في تقليل هذا الامتصاص.
بمعنى آخر، النظام الغذائي المتوازن لا يغذي الجسم فقط، بل يعمل أيضا خط دفاع يقلل من تراكم السموم.

أطعمة قد تساعد في الحد من الآثار
تشير دراسات أولية وتجارب مخبرية -خصوصا على الحيوانات- إلى أن بعض الأطعمة والعناصر الغذائية قد تلعب دورا مساعدا في تقليل امتصاص المعادن الثقيلة أو التخفيف من آثارها، مثل:
- الكزبرة الخضراء.
- الثوم والبروكلي: رُصد في بعض الدراسات دور محتمل لهما في الحد من آثار المعادن الثقيلة.
- الألياف الغذائية الموجودة في الفواكه والحبوب الكاملة، إذ تساعد في طرح جزء من المعادن عبر الجهاز الهضمي.
- السيلينيوم: الموجود في بعض المكسرات وأنواع من الأسماك الصغيرة، وقد يسهم في تقليل سمية الزئبق في الجسم.
إلى جانب ذلك، تبقى العناية بصحة الكبد أساسية، فهو الجهاز الأول المسؤول عن تحويل بعض السموم إلى أشكال أقل ضررا، والعناية بصحة الكلى التي تطرح جزءا من المعادن الثقيلة بانتظام عبر البول.
في النهاية، قد لا يكون بوسع الأفراد التحكم في مسار الحروب أو وقف التلوث عند حدوده، لكن يمكنهم توظيف المعرفة المتاحة لتحصين أجسادهم وعائلاتهم قدر الإمكان. فالتعامل مع “ندوب الحرب الكيميائية” يبدأ من خطوات صغيرة، لكنها متراكمة في المطبخ وفي اختيار الماء وفي طريقة تعاطينا مع الهواء والغبار من حولنا.
المصدر: الجزيرة