مهلة الأيام الخمسة.. هل يفتح ترمب باب التهدئة مع إيران أم يقود لتصعيد أوسع؟

مع دخول الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يومها الرابع والعشرين، شهد المشهدان الميداني والسياسي انعطافا لافتا، فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأجيلا مؤقتا لضربات توعد بها منشآت الطاقة الإيرانية، متحدثا عن “مفاوضات مثمرة”. وفي المقابل، سارعت طهران إلى النفي القاطع لأي حوار، واضعة التراجع الأمريكي في خانة الرضوخ لتوازن الرعب.

وبين الإعلان والنفي، تقف منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره أمام أزمة غير مسبوقة تهدد شرايين الحياة الأساسية، من إمدادات النفط إلى مياه الشرب. فما هي دوافع هذا التطور؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة للأيام الخمسة المقبلة؟

تهديد ثم تراجع

بشكل مفاجئ، أعلن الرئيس الأمريكي إيعازه لوزارة الحرب (البنتاغون) بتأجيل جميع الضربات لمحطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران مدة 5 أيام. وربط ترمب قراره بمحادثات “جيدة ومثمرة” لحل الأعمال العدائية، مشترطا لنجاحها فتح إيران لمضيق هرمز.

ويبدو أن دوافع ترمب تنبع بالأساس من ضغوط الأسواق العالمية والرغبة في تقديم انتصار تفاوضي سريع، إذ أدى مجرد التلويح بتأجيل الضربات إلى انخفاض فوري في أسعار خام برنت بأكثر من 13%.

وفي مفارقة تكشف حجم المأزق الأمريكي في أسواق الطاقة، سمحت واشنطن مؤقتا ببيع النفط الإيراني المخزن على متن السفن في مسعى لاحتواء الأسعار، وهو سلاح تحاول خنق طهران به.

ورغم ذلك، تؤكد التقارير وجود حراك دبلوماسي خلف الكواليس، فقد نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر أمريكية أن تركيا ومصر وباكستان أدت دورا في نقل الرسائل، حيث أجرى وزراء خارجية هذه الدول محادثات منفصلة مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وفي قراءة للسياسة الأمريكية، ترى المستشارة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية هيام نواس أن ما يبدو تناقضا في مواقف ترمب هو في الواقع جزء من “إستراتيجية مدروسة”.

إعلان

وتوضح في حديث للجزيرة، أن التلويح باستهداف منشآت الطاقة “ليس بالضرورة قرارا نهائيا، بل أداة ضغط لإبقاء المشهد مفتوحا دون خطوط حمراء واضحة”، مشيرة إلى أن هذا النهج يكرس غياب المقاربة المؤسساتية الواضحة ويزيد حالة عدم اليقين.

President Donald Trump speaks with reporters before departing on Marine One from the South Lawn of the White House, Friday, March 20, 2026, in Washington. (AP Photo/Alex Brandon)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تراجع عن تهديداته بضرب المنشآت الحيوية الإيرانية (أسوشيتد برس)

رهان طهران على هرمز والمياه

على الضفة الأخرى، جاء الرد الإيراني واضحا، فقد نفت وزارة الخارجية الإيرانية عبر وكالة “مهر” وجود أي مباحثات مع واشنطن، مؤكدة أن تصريحات ترمب تهدف لخفض أسعار الطاقة.

ونقلت وكالتا “فارس” و”تسنيم” عن مصادر أمنية رفيعة أن التراجع الأمريكي جاء بعد إدراك واشنطن أن طهران ستنفذ تهديدها بضرب جميع محطات الطاقة الإسرائيلية وتلك التي تغذي القواعد الأمريكية في الخليج.

وشن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني هجوما حادا على الإدارة الأمريكية، معتبرا أن “ترمب يكذب أو يتفوه بكلام فارغ”.

وقال في تصريحاته “الضربات المدمرة التي وجهتها قواتنا المسلحة وارتفاع أسعار النفط جعلا الشيطان في حالة يأس وعجز”، مشددا على أن “التفاوض في مثل هذه الظروف لا معنى له، والعدو لا يفهم إلا لغة القوة والصواريخ”.

ويبدو أن الموقف الإيراني يستند إلى استخدام الجغرافيا السياسية ورقة ردع إستراتيجية تعوض اختلال ميزان القوة التقليدي. فقد أوضح تقرير لصحيفة واشنطن بوست أن طهران لا تشعر بضغط للتفاوض رغم الضربات الكبيرة التي تلقتها، بل تراهن على قدرتها على رفع التكلفة الاقتصادية.

وترجم هذا الرهان عمليا في مضيق هرمز، فبحسب بيانات شركة “كبلر” (Kpler)، تراجعت حركة المرور في المضيق –الذي يمر عبره خمس النفط والغاز المسال العالمي– بنسبة تقارب 95%.

ولم يقف التصعيد هنا، بل هدد مجلس الدفاع الإيراني بزراعة ألغام بحرية في الخليج إذا تعرضت سواحل البلاد أو جزرها لهجوم، محذرا من أن “الخليج بأكمله سيصبح عمليا في وضع مشابه لوضع مضيق هرمز”.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط علم صالح أن طهران لا تملك خيارا سوى مواصلة التصعيد، لأن أي تراجع “سيفسر على أنه ضعف”.

ويضيف صالح للجزيرة أن استهداف منشآت الطاقة يمثل تحولا نوعيا يمس حياة المدنيين وقد يندرج ضمن “جرائم الحرب”، معتبرا أن استمرار التصعيد يعكس فشل الإستراتيجية الأمريكية.

إلى جانب النفط، تبرز ورقة “المياه”، فقد أشارت صحيفة غارديان إلى أن التهديد الإيراني بتدمير البنية التحتية يضع محطات “تحلية المياه” في دول الخليج في مرمى النيران.

إسرائيل مستفيدة من التصعيد

رغم إعلان ترمب تأجيل ضرب منشآت “الطاقة”، فإن ذلك لا يعني تجميد الحرب، فإسرائيل، الشريك الكامل في قرار هذه المواجهة، تواصل عملياتها العسكرية المكثفة وتستعد لـ”أسابيع إضافية من القتال”.

وقد أعلن الجيش الإسرائيلي الاثنين شن موجة جديدة واسعة النطاق شملت العاصمة طهران، وخرم آباد (خلفت 6 قتلى)، وبوشهر (حيث قتل رئيس قطاع الأرصاد الجوية).

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية عماد أبو عواد أن إسرائيل تستفيد كثيرا من تلويح ترمب باستهداف قطاع الطاقة، لأن ذلك يعني مضي واشنطن قدما في الحرب.

إعلان

ويوضح أبو عواد للجزيرة أن تل أبيب ترى أن ضرب البنية التحتية الإيرانية قد يمهد لاستهداف طهران لمنشآت الطاقة الخليجية، مما يعني “توسيع دائرة الحرب وإدخال أطراف أخرى، وهو ما يخفف الأعباء عن إسرائيل”، محذرا من أن هذا المسار قد يخلط الأوراق إقليميا.

وتستفيد إسرائيل إستراتيجيا من التهديدات الأمريكية لقطاع الطاقة الإيراني لتعميق الحرب. وبحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن من الأسس التي بني عليها قرار الحرب، خطة قدمها رئيس الموساد ديفيد برنياع، تفيد بأن الضربات ستشعل “انتفاضة شعبية” تسقط النظام من الداخل.

ومع فشل هذا التقدير الاستخباري وتماسك النظام، يبدو أن إسرائيل انتقلت إلى إستراتيجية “جز العشب” العسكرية، معتمدة على الغطاء الأمريكي لتدمير البنية التحتية الإيرانية.

حريق ناجم عن غارة على منشآت خارج مدينة طهران (الجزيرة)
حريق ناجم عن غارة على منشآت خارج مدينة طهران (الجزيرة)

حراك دولي وأرقام كارثية

لم يعد ما يجري “ملفا أمريكيا إيرانيا” بل أزمة دولية شاملة، إذ بلغت الأرقام مستويات كارثية، حيث أعلن المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول خسارة 11 مليون برميل يوميا، واصفا الأزمة بأنها أسوأ من أزمتي السبعينيات مجتمعتين. وتشير تقديرات الوكالة إلى تضرر ما لا يقل عن 40 منشأة طاقة في 9 دول منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط.

أمام هذا المشهد، تحركت القوى الدولية:

  • الصين: حذرت من انزلاق المنطقة إلى “فوضى شاملة”، وهو قلق ينبع مباشرة من اعتماد بكين الهائل على واردات النفط من الخليج.
  • روسيا: أجرى وزير خارجيتها سيرغي لافروف اتصالا بنظيره الإيراني، محذرا واشنطن من مغبة استهداف منشآت حساسة مثل “بوشهر” و”نطنز”، لما يمثله ذلك من خطر بيئي وإشعاعي يتجاوز حدود إيران.
  • سلطنة عمان: انطلاقا من دورها التقليدي في الوساطة بين طهران وواشنطن، أعلنت مسقط سعيها لوضع ترتيبات تضمن “مرورا آمنا” في مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد العالمي.

ماذا تعني مهلة الأيام الخمسة؟

مع دخول مهلة ترمب حيز التنفيذ، ينحصر المشهد في 3 سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة:

سيناريو تثبيت التهدئة المؤقتة: ينجح الوسطاء (عمان، تركيا، وغيرهما) في إيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين، كأن تعلق واشنطن رسميا استهداف الطاقة، مقابل سماح طهران بترتيبات مرور آمن وتجاري في مضيق هرمز، مما يبرد أسواق النفط مؤقتا.

سيناريو عودة التصعيد: تفشل الوساطات في الوصول إلى أرضية مشتركة، أو تحدث ضربة إسرائيلية أو إيرانية غير محسوبة تصيب منشأة حيوية، مما ينهي المهلة مبكرا ويعيد واشنطن لخيار تدمير محطات الكهرباء الإيرانية، لترد طهران بتفخيخ الخليج وضرب مصادر الطاقة والمياه الإقليمية.

سيناريو “الحرب الطويلة” المزدوجة: يتم تحييد قطاع “الطاقة والمضايق” من بنك الأهداف بفضل الضغوط الدولية، لكن الحرب تستمر في شقها العسكري والاستخباري بين إسرائيل وإيران (اغتيالات، قصف قواعد عسكرية، هجمات سيبرانية) وفق نموذج “جز العشب” الطويل الأمد.

 

المصدر: الجزيرة