تشهد مدينة صيدا ومحيطها خلال الأيام الأخيرة حركة نزوح متزايدة، في ظل تصاعد التوترات الأمنية، وسط ظروف إنسانية ضاغطة دفعت عائلات إلى مغادرة منازلها على نحو عاجل.
ويأتي هذا النزوح في سياق موجات متكررة تشهدها مناطق الجنوب اللبناني عند تصاعد التوتر، حيث تُجبر العائلات على الفرار خلال فترات زمنية قصيرة، غالبا دون القدرة على التحضير المسبق أو تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويعد النزوح الداخلي في مثل هذه الظروف من أبرز التحديات الإنسانية، إذ تواجه العائلات صعوبات في تأمين المأوى والغذاء والخدمات الأساسية، في ظل ضغط متزايد على المجتمعات المضيفة والبنية التحتية.
وحسب شهادات نازحين، خرج كثيرون دون حمل أي من ممتلكاتهم، مكتفين بما كانوا يرتدونه، نتيجة ضيق الوقت وتسارع الأحداث. وتقول إحدى النازحات: “كان الوضع صعبا، لم أتمكن من أخذ أي شيء… خرجنا بملابسنا فقط”. وتروي أخرى أنها اضطرت لترك مقتنيات عزيزة خلفها، مضيفة “كانت لدي أشياء غالية علي، لكن لم يكن هناك وقت لأخذها”.
وفي شهادة أخرى، عبر أحد النازحين عن أسفه على عدم تمكنه من إخراج قطته معه، مشيرا إلى أن ضيق الوقت لم يسمح له إلا بالمغادرة السريعة.
وتبرز في هذا السياق قصة أحد النازحين الذي حمل معه “سكوتر”، في مشهد يعكس طبيعة القرارات التي تتخذ تحت ضغط اللحظة. ويقول “خرجنا على عجل، وكانت العائلة تطلب أخذ الحاجات الأساسية، لكنني وجدت السكوتر خلفي، فقلت ربما أحتاجه”. وتكشف هذه الشهادة حالة الارتباك التي ترافق النزوح، حيث تختلط الأولويات وتتداخل الضرورات تحت تأثير الخوف وتسارع الأحداث.
كما تكشف الشهادات بعدا إنسانيا لافتاً لدى الأطفال، إذ حمل أحدهم كرة قدم معه في أثناء النزوح، في محاولة للاحتفاظ بجزء من حياته اليومية رغم الظروف القاسية، لا سيما على الطرق الرئيسية ومداخل المدينة التي شهدت ازدحاما كثيفا.
وتبقى الأولوية، بحسب معظم الشهادات، لسلامة أفراد العائلة، إذ تقول إحدى النازحات “أغلى ما لدي هو ابني الوحيد، المهم أننا خرجنا بخير”. ويختصر آخرون التجربة بعبارات مباشرة: “أنقذنا أرواحنا، وهذا يكفي… كل شيء يمكن تعويضه إلا الإنسان”.
وتعكس هذه الشهادات واقعا إنسانيا صعبا، حيث تراجعت أهمية الممتلكات أمام الحاجة الملحّة إلى النجاة، في ظل استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار.
ومع استمرار التصعيد، تبقى المخاوف قائمة من اتساع رقعة النزوح وازدياد الضغوط على البنية الإنسانية والخدمات الأساسية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استجابة عاجلة لتأمين احتياجات النازحين وتخفيف آثار الأزمة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 1.6 مليون لبناني نزحوا خلال مدة قصيرة، أي ما يقرب من خُمس سكان البلاد، من بينهم نحو 370 ألف طفل وجدوا أنفسهم خارج منازلهم ومدارسهم التي تحولت في كثير من الحالات إلى مراكز إيواء.
ويواجه النازحون أوضاعا إنسانية صعبة، مع اكتظاظ حاد داخل مراكز الإيواء الجماعي، وصعوبات في الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في وقت لا يغطي فيه التمويل الدولي سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية.
ومنذ الثاني من مارس/آذار الجاري، تشن إسرائيل عدوانا جويا واسعا على لبنان، مما أسفر عن نحو 1400 قتيل وأكثر من 4 آلاف جريح، وبالتوازي مع ذلك تنفذ قواتها توغلات برية. ويخوض حزب الله مواجهات ضارية مع القوات المتوغلة في جنوب لبنان، وقد كبدها حتى الآن ما لا يقل عن 11 قتيلا وعشرات الجرحى.
المصدر: الجزيرة