من عتمة الدمار والظروف القاهرة المطبقة على قطاع غزة، تولد نوافذ جديدة لإبصار النور، إذ استأنفت وزارة الصحة الفلسطينية البرنامج الوطني لزراعة القرنية في مستشفى العيون التخصصي في مدينة غزة.
وتقول نور خالد، في تقرير أعدته للجزيرة، إنه بعد 3 سنوات من التوقف القسري الناجم عن الحرب وتداعياتها القاسية على المنظومة الصحية، وتزامنا مع النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، يشرق عهد جديد يعيد ملامح الحياة والألوان لمن كانت الرؤية في أعينهم مشوشة وشبه مظلمة.
وداخل غرف العمليات التي أنهكت الحرب معداتها وأدواتها الجراحية، قاد استشاري طب وجراحة العيون، الدكتور حسام داود، أولى هذه العمليات التي تكللت بالنجاح رغم جسامة العقبات الميدانية.
وأكد داود لمراسلة الجزيرة أن هذه الحالة تمثل باكورة الحملة الوطنية لزراعة القرنية، مشيرا إلى أن شح الأدوات الجراحية وتجهيزها شكل التحدي الأكبر أمام الطاقم الطبي لإنجاز هذا المسار في ظل الواقع الراهن للمستشفيات.
وأعاد هذا التطور الطبي الفرحة المفقودة إلى مستشفيات القطاع، وهو ما تجسد في حالة المريضة بيروت النخالة، التي وصفت مشاعرها بأنها تفوق الوصف.
وأكدت النخالة أنها لم تكن تتوقع إجراء عملية زراعة قرنية داخل غزة في ظل هذه الظروف البالغة الصعوبة، لا سيما أن هذه العمليات التي كانت تجرى بانتظام قبل الحرب، توقفت تماما طوال أشهر النزاع.

التكافل في مواجهة الموت البطيء
ويرتكز نجاح هذا المسار الطبي الإنساني على قرار عائلة الشهيد محمود أبو سيسي بالتبرع بقرنيتيه لوزارة الصحة، في خطوة منحت مريضين فرصة متجددة للإبصار.
وبشأن هذا الموقف, أوضح والد الشهيد أنه رغم الصعوبة النفسية الأولية في دفن جثمان ابنه غير مكتمل، فإنه آثر منح القرنيتين لمرضى آخرين ليمكنهم من مواصلة حياتهم، معتبرا أن الله قد اصطفى ابنه بالشهادة.
وحسب مراسلة الجزيرة، فإن استئناف عمليات زراعة القرنية يتجاوز كونه إنجازا طبيا عابرا وسط الحرمان الشديد، ليشكل تجسيدا للتكافل الإنساني بين سكان القطاع، وعنوانا لمواجهة الحصار وسياسة الموت البطيء التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.
وتشير الإحصاءات المتوفرة إلى أن نحو 700 شخص في قطاع غزة فقدوا أعينهم خلال الحرب، بينهم 600 مصاب فقدوا عينا واحدة، بينما فقد قرابة 100 شخص كلتا العينين.
وتقول السلطات الصحية في غزة إن آلافا آخرين مهددون بفقدان البصر – معظمهم من الأطفال والشباب – بسبب تعرضهم لإصابات مباشرة في العينين بشظايا الانفجارات والأحزمة النارية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويعاني القطاع المحاصر من نقص حاد ومتفاقم في المواد الغذائية والطبية الأساسية، نتيجة استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخالها وتعطيل حركة الإمدادات الإنسانية والتجارية.
المصدر: الجزيرة