هذا ما تفعله الطبيعة لصحتك الجسدية والنفسية

متى كانت آخر مرة قضيت فيها وقتاً هادئاً في أحضان الطبيعة بعيداً عن ضجيج المدن، أو تجولت في المنتزه القريب من منزلك أو حتى سرقت دقائق من وقتك ووقفت في شرفتك للاستمتاع بمشاهدة غروب الشمس؟

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه الضغوط اليومية، تبدو مثل هذه الممارسات رفاهية نادراً ما نمنحها لأنفسنا، رغم أن الدراسات العلمية تشير إلى أنها قد تكون من أبسط وأكثر الوسائل فعالية لتعزيز الصحة النفسية والجسدية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2“مفارقة سليمان”.. لماذا نمنح الحكمة للآخرين وكيف نستخدمها لإنقاذ أنفسنا؟
  • list 2 of 2كيف سرق الإنترنت قدرتنا على الاستمتاع بـ”الهدوء”؟

end of list

ما العلاقة بين الطبيعة والتصالح مع الذات؟

تشير “الجمعية الأمريكية لعلم النفس” إلى أن قضاء ساعتين أسبوعياً على الأقل في الطبيعة يمكن أن يعود بفوائد واضحة على الصحة الجسدية والنفسية. وليس من الضروري قضاء ساعتين متواصلتين، إذ يمكن توزيع الوقت على فترات قصيرة خلال الأسبوع.

وفي استطلاع أجراه باحثون من جامعة “أنغليا روسكين” في بريطانيا، شمل أكثر من 50 ألف شخص من 58 دولة، تبين أن التواصل مع الطبيعة يرتبط بنظرة أكثر إيجابية تجاه النفس، بغض النظر عن العمر أو الجنس. ويشمل ذلك زيادة الرضا عن الشكل الخارجي والتصالح مع الذات.

ويرى الباحثون أن الطبيعة تساعد على ذلك عبر آليتين أساسيتين: الأولى تعزيز التعاطف مع الذات، والثانية منح الدماغ حالة من “الهدوء المعرفي”، حيث تخف الضغوط الذهنية ويصبح الدماغ أقل إرهاقاً.

منتزه مليء بالاشجار الخضراء
التواصل مع الطبيعة يرتبط بنظرة أكثر إيجابية تجاه النفس (بيكسابي)

الطبيعة وخطر الاكتئاب

تشير أبحاث دنماركية، شملت أكثر من 900 ألف شخص، إلى أن الأطفال الذين نشأوا في أحياء غنية بالمساحات الخضراء كانوا أقل عرضة لاحقاً للإصابة بالاكتئاب واضطرابات المزاج والفصام واضطرابات الأكل وتعاطي المواد المخدرة.

كما أظهرت دراسة أخرى أن الأشخاص الذين يقضون خمس ساعات أو أكثر في الخارج خلال عطلة نهاية الأسبوع يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب الخفيف مقارنة بمن لا يقضون أكثر من 30 دقيقة خارج المنزل.

إعلان

وحتى مشاهدة صور أو فيديوهات للطبيعة قد تحمل بعض الفوائد النفسية، رغم أن التأثير يبقى أقوى عند الخروج الفعلي إلى الهواء الطلق.

تحسين جودة النوم

يساعد التعرض للضوء الطبيعي يومياً، خاصة في الصباح الباكر، على تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، وهي الدورة الطبيعية الممتدة على مدار 24 ساعة. وعندما تتناغم هذه الساعة مع تعاقب الليل والنهار، يتحسن النوم ويزداد الشعور باليقظة خلال النهار.

تقليل التوتر

تمنح البيئات الطبيعية الدماغ فرصة لاستعادة تركيزه بعد الإرهاق الناتج عن ضوضاء المدن والتنبيهات المستمرة. ففي مراجعة بحثية أجراها علماء من “جامعة شيكاغو”، عام 2019، تبين أن المساحات الخضراء تحسن الذاكرة والانتباه والمرونة الذهنية، بينما ترتبط البيئات الحضرية المزدحمة بزيادة تشتت الانتباه.

تشير الدراسات إلى أن قضاء الوقت في بيئة طبيعية أو مساحة خضراء يساعد على خفض التوتر النفسي. وحتى 20 دقيقة فقط في الأماكن الطبيعية يمكن أن تخفض مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر. أما الانغماس الكامل في بيئة طبيعية لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة، فيحقق أكبر انخفاض في هذا الهرمون، قبل أن تبدأ المستويات بالاستقرار.

Beach, run and airplane by family playing, freedom and happy along the ocean on blue sky background. flying, game and children running with parents in Mexico for travel, trip and summer vacation - stock photo
قضاء وقت في الطبيعة يساعد على تحسين جودة النوم (غيتي إيميجز)

الطبيعة وصحة القلب والمناعة

لا تتوقف الفوائد عند الصحة النفسية. فبحسب مؤسسة “يو سي إل إيه هيلث” الطبية، يساعد قضاء الوقت في الطبيعة على خفض ضغط الدم وتحسين صحة القلب، سواء كان الشخص يعاني من ارتفاع الضغط أم لا.

أما الغابات، فتمنح فوائد إضافية إذ إن الهواء هناك يحتوي على مركبات نباتية تُسمى “الفيتونسيدات”، تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات، وتحفز الجسم على إنتاج المزيد من خلايا الدم البيضاء المرتبطة بمقاومة الفيروسات والخلايا المصابة.

لماذا تجعلنا الطبيعة أكثر لطفاً؟

وجدت دراسات أخرى أن الأشخاص الذين يشاهدون مناظر طبيعية أو يقضون وقتاً في الطبيعة يصبحون أكثر ميلاً للطف وللتعاون والتصرف بسخاء. إذ أظهرت أن أطفال المدارس يبدون سلوكاً أكثر تعاطفاً بعد رحلات إلى أماكن طبيعية مقارنة بزيارات إلى متاحف أو أماكن مغلقة. ويربط الباحثون ذلك بما يسمى “مشاعر الدهشة والانبهار”، التي تمنح الإنسان إحساساً بأنه جزء من شيء أكبر منه، ما يعزز الترابط والتعاطف.

Beautiful tropical beach and sea with coconut palm tree on blue sky in Maldives island - Boost up color Processing
أظهرت دراسات أن الأشخاص الذين يشاهدون مناظر طبيعية أو يقضون وقتا في الطبيعة يصبحون أكثر لطفا (فريبيك)

هل نحتاج إلى السفر بعيداً؟

رغم أن الأماكن البرية البعيدة تمنح تأثيراً أقوى، يؤكد الباحثون أن أي مساحة خضراء -حتى داخل المدن- أفضل من لا شيء.

فالمشي القصير في حديقة قريبة، أو الجلوس قرب بحيرة، أو حتى التوقف للاستماع إلى العصافير، يمكن أن يحدث فرقاً ملحوظاً. المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في قلة الوقت، بل في الانفصال المتزايد عن العالم الطبيعي. فكلما ابتعد الناس عن الطبيعة، تراجعت أيضاً رغبتهم في حماية البيئة أو التعامل بجدية مع قضايا مثل التغير المناخي وفقدان التنوع الحيوي.

وفي زمن تقضي فيه الأعين وقتاً أطول على الشاشات بدلاً من تأمل المناظر الطبيعية، ربما تصبح العودة إلى الطبيعة واحدة من أبسط الطرق لاستعادة التوازن الذهني والجسدي معاً.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة