لم يعد الجدل في إيران يدور بشأن حق التخصيب أو نسبته فقط بل حصيلته كلها، فهل صنع هذا المسار ردعا وامتيازا تفاوضيا أم أنه جلب عقوبات وضغوطا وأخطار حرب من دون أن يبلغ عتبة الردع الحاسم؟
عاد هذا السؤال إلى الواجهة بقوة بعد سجال أثاره مقطع متداول من برنامج “جدال” الإيراني الشهير الذي يُبث على يوتيوب، لكنه في الحقيقة يعكس خلافا أعمق داخل النقاش الإيراني بشأن معنى التخصيب نفسه ووظيفته السياسية والأمنية.
بدأ السجال بعد نشر مقتطف من إحدى حلقات البرنامج، تضمَّن طرحا يقول إن الوصول إلى “صفر تخصيب” يعني نهاية الردع النووي الإيراني.
ينطلق هذا الطرح من أن التخصيب العالي ليس مجرد نشاط تقني داخل منشآت نووية بل عنصر قوة بحد ذاته، لأنه يرفع كلفة الضغط على إيران، ويضعها عند عتبة حساسة تجعل خصومها أكثر حذرا، كما يمنحها ورقة تفاوضية إضافية في أي مفاوضات مقبلة.
لكنَّ هذا الطرح قوبل باعتراض مباشر من الباحث السياسي مصطفى نجفي، الذي رفض الربط بين التخصيب العالي والردع النووي بهذا المعنى.
وفي ردوده على منصة إكس، قال إن الخلط بين القدرة النووية الكامنة والردع النووي الفعلي هو أصل المشكلة، وإن تحويل التخصيب إلى هوية للأمن القومي الإيراني ينطوي على مبالغة مفاهيمية وسياسية.
ثم عاد في رد لاحق ليشدد أكثر على فكرته، قائلا إن الحديث عن وجود ردع نووي من دون امتلاك سلاح نووي فعلي هو طرح مضلل، وإن التخصيب العالي ما دام لم يتحول إلى قدرة عسكرية نهائية فإنه لا يُنتج الردع الذي يتحدث عنه المدافعون عنه.
ومن خلال هذا السجال برز رأيان متقابلان بوضوح، الأول يرى أن الاحتفاظ بتخصيب مرتفع -حتى من دون تصنيع قنبلة- يشكل في حد ذاته عنصر ردع وورقة تفاوض تجلب لإيران امتيازات سياسية وتفاوضية، لأن الخصوم يضعون في حسابهم أنها تقترب من العتبة النووية.
أما الرأي الثاني فيقول إن التخصيب العالي من دون سلاح فعلي لم يصنع ردعا حقيقيا، وإن حصيلته العملية كانت العقوبات والضغوط والعزلة، بل والحرب أو خطرها، من دون أن يوفر لإيران المظلة الأمنية التي يعد بها أنصار هذا الخيار.
ويبدو أن جزءا من الخلاف نابع من الخلط بين مفهومين مختلفين، أي الردع والورقة التفاوضية. فالتخصيب العالي قد يمنح إيران ورقة ضغط في التفاوض، لأنه يزيد حساسية الملف ويرفع كلفة تجاهله أو الضغط عليه.
لكنَّ ذلك لا يعني تلقائيا أنه يصنع ردعا نوويا فعليا بالمعنى العسكري الصارم، الذي يفترض قدرة نهائية ومعلومة على إيقاع ضرر حاسم بالخصم.
وهنا تحديدا يقع الانقسام، إذ ثمة فريق يرى أن الاقتراب من العتبة النووية يكفي لصناعة الردع، وفريق آخر يرى أن هذا الاقتراب لا يُنتج سوى قيمة تفاوضية محدودة ما لم يتحول إلى قدرة عسكرية كاملة.
العتبة النووية
وتَبرز في هذا السياق أهمية مفهوم العتبة النووية، أي امتلاك دولة بنية تحتية وقدرات فنية وتقنية تقرّبها من إمكان صنع سلاح نووي خلال مدة محدودة، من دون أن تعلن امتلاك السلاح فعليا.
وبالنسبة إلى المؤيدين للتخصيب العالي، فإن البقاء عند هذه العتبة يخلق حالة ردع، ويصعّب على الخصوم الذهاب بعيدا في التهديد. أما المعترضون، ومنهم نجفي في هذا السجال، فيرون أن العتبة ليست ردعا نهائيا بل وضعا رماديا قد يجلب من الضغوط والأخطار أكثر مما يجلب من الحماية.
هذا الجدل ليس جديدا في جوهره، بل يعود إلى بداية دخول الملف النووي الإيراني دائرة العقوبات. فعلى المستوى الأمريكي، كان أول إجراء عقابي ارتبط مباشرة بالملف النووي الإيراني يوم 28 يونيو/حزيران 2005، حين أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأمر التنفيذي 13382، الذي دخل حيّز التنفيذ في اليوم التالي.
ونص الأمر على تجميد أصول الجهات المنخرطة في أنشطة انتشار أسلحة الدمار الشامل أو الداعمة لها، وشمل كيانات إيرانية مرتبطة بالملف النووي. أما على المستوى الدولي، فكانت أول عقوبات أممية فعلية على إيران بسبب الملف النووي يوم 23 ديسمبر/كانون الأول 2006 مع قرار مجلس الأمن 1737، بعد أشهر من الضغوط والقرارات التمهيدية.
وهنا تكتسب الخلفية التاريخية معناها داخل السجال الحالي. فمنذ أن دخل التخصيب الإيراني دائرة العقوبات الأمريكية عام 2005، ثم العقوبات الأممية عام 2006، لم يعد السؤال محصورا في الحق القانوني أو الإنجاز التقني، بل اتسع إلى سؤال الكلفة والعائد حول ماذا كسبت إيران من الإبقاء على مستويات تخصيب مرتفعة، وماذا خسرت في المقابل؟ وهل كان هذا المسار مصدرا لتعزيز القوة أم أحد أبرز أسباب الضغط المستمر عليها؟
لهذا لا يُنظر إلى السجال الأخير بوصفه مجرد خلاف على عبارة أو تراشق على وسائل التواصل، بل باعتباره تعبيرا مكثفا عن انقسام أعمق داخل إيران. فهناك من يرى في التخصيب المرتفع عنوانا للصمود وورقة لا يجوز التفريط فيها لأنها تمنح البلاد وزنا وردعا وموقعا تفاوضيا أفضل.
وفي المقابل، هناك من يرى أن التخصيب، ما دام لم يتحول إلى سلاح فعلي، لم يجلب لإيران سوى كلفة باهظة، وأن تحويله إلى أصل ثابت في تعريف الأمن القومي هو ما جعل الملف النووي ينتقل من ورقة قوة إلى أصل للأزمة.
وتظهر أهمية هذا الخلاف مع كل حديث عن تسوية أو تفاوض جديد. فمن يَعُد التخصيب ركنا من الردع سيتعامل مع أي خفض كبير له على أنه مساس بجوهر القوة الإيرانية، أما الطرف الآخر فسيتعامل معه على أنه ورقة قابلة للتفاوض إذا كان ثمنها رفع العقوبات وتقليل احتمالات المواجهة. ولذلك، فإن الخلاف في النهاية ليس على النسبة النووية فقط، بل على تعريف المصلحة الوطنية نفسها: هل تقاس قيمة التخصيب بما يمنحه من قدرة كامنة ووزن تفاوضي، أم بإن كان قد نجح فعلا في منع العقوبات والضربات والحرب؟
المصدر: الجزيرة