ترتبط الأعياد في الذاكرة العربية بأطباق متوارثة؛ تتصدر الفتة مائدة عيد الأضحى في مصر، والمنسف في الأردن، والمكبوس في الخليج، والقوزي في العراق. أطباق تحمل بهجة العيد وطقوس التجمع العائلي.
كانت الذبيحة في كل بيت تقريبا، وللجميع نصيب من اللحم؛ الموائد ممتدة، والبيوت مفتوحة للأقارب والجيران. اليوم تبدو هذه الصورة بعيدة عن واقع كثير من الأسر العربية، إذ فرضت الحروب والتضخم وضيق الوقت شروطها على ما يُطهى فعلا في المطابخ. ربما ظلت أسماء الأطباق كما هي، لكن مكوناتها وكمياتها وطرق إعدادها تغيّرت بوضوح.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
هل يختفي اللحم من مائدة عيد الأضحى؟
أدت زيادة تكاليف الأعلاف والنقل والطاقة والرعاية البيطرية، إلى جانب تأثير الحروب والتوترات الإقليمية على الاستيراد والشحن، إلى ارتفاع كبير في أسعار الأضاحي واللحوم. لم يعد حضور اللحم بكميات وفيرة على موائد العيد أمرا بديهيا في بيوت كثيرة.
مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تغيّر سلوك الأسر: بعض العائلات تلجأ إلى أضاحٍ أصغر، أو تشترك مع الجيران والأقارب في أضحية واحدة، أو تؤجل الشراء إلى الأيام الأخيرة أملا في انخفاض الأسعار، كما ترصد تقارير صحفية عربية عن أسواق الأضاحي قبل العيد في أكثر من دولة.

كيف تغير الحروب طعام العيد؟
لا تغيّر الحروب الخرائط السياسية وحدها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومنها الطعام وطقوس إعداده. يتجلى ذلك في مكونات أطباق العيد التقليدية في السنوات الأخيرة، مع تحوّل الحروب والنزوح والتضخم إلى مفردات يومية في حياة ملايين العرب.
ارتفاع أسعار الوقود وإغلاق الطرق وتعطل الزراعة واضطراب سلاسل الشحن، كلها عوامل تضرب سلة الغذاء مباشرة. وقد حذر برنامج الأغذية العالمي في مارس/آذار 2026 من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي إذا استمرت النزاعات وارتفعت أسعار النفط، في تحذير يعكس هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة.
ووفق تقارير برنامج الأغذية العالمي، فإن ارتفاع أسعار الغذاء العالمي وانهيار العملات وتراجع الدخول، إلى جانب الصراعات وتداعيات المناخ، كلها عوامل تهدد الأمن الغذائي في معظم الدول العربية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات الغذائية وتتأثر بشدة بتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، فضلا عن الجفاف وتراجع الإنتاج المحلي.
في مثل هذه السياقات، يصبح السؤال في بعض البيوت أقل عن “أطباق العيد” وأكثر عن “إمكانية توفير الطعام اليومي”.
ومع تزايد أعداد النازحين واللاجئين وتشتت العائلات، يأخذ طعام العيد معنى آخر؛ يصبح محاولة أخيرة للتشبث بالمعنى والهوية رغم غياب مطبخ البيت. في المنافي، يحمل طبق تقليدي واحد ذاكرة كاملة، ينقلها الآباء إلى جيل وُلد بعيدا عن البلد الأم، فلم يعرفها إلا عبر الحكايات والطعام.

التضخم يغيّر المائدة
لا تقتصر أسباب التغيّر على الحروب وحدها؛ ففي بلدان مستقرة أمنيا انعكس الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء على موائد العيد. تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي واصل الارتفاع لعدة أشهر متتالية حتى أبريل/نيسان 2026، مدفوعا خصوصا بارتفاع أسعار الزيوت النباتية التي سجلت أعلى مستوياتها منذ يوليو/تموز 2022، وهو ما يزيد الكلفة على الأسر خاصة في مواسم الأعياد التي تكثر فيها الحلويات والأطباق المعتمدة على السمن والزيت.
ومع ارتفاع أسعار المكونات وتراجع القدرة الشرائية، بقيت الأطباق التقليدية حاضرة بالاسم، لكن مكوناتها وكمياتها تغيرت تبعا لإمكانات كل أسرة.
- في بعض البيوت تقلّ كمية اللحم في طبق الفتة، وفي أخرى يغيب اللحم تماما ويُكتفى بالمرق لإضفاء النكهة.
- حشوات المكسرات اختفت من كعك العيد لصالح حشوات أرخص مثل الفول السوداني والعجوة.
- ظهرت في بعض الأسواق خلطات معتمدة على بروتين الصويا لزيادة حجم اللحم المفروم، كي تبقى صينية الرقاق أو المحاشي حاضرة بكمية أقل من اللحم.
في المقابل، ابتعدت كثير من الأسر عن الولائم الكبيرة، وظهرت صيغ “الإعداد المشترك” للوليمة؛ كل أسرة تُعد صنفا واحدا وتلتقي الأسر لتناول الطعام معا، في محاولة للحفاظ على “لمة العائلة” وإن بتكلفة أقل.

الوقت “عملة نادرة”
لا تتحرك المائدة وفق الظروف الاقتصادية فقط؛ فالوقت نفسه أصبح عملة نادرة. كثير من الأطباق التقليدية يحتاج ساعات طويلة من الإعداد والعمل الجماعي، حيث تجتمع نساء العائلة والجارات لإعداد صواني الكعك والمعمول أو تنظيف الذبائح أو إعداد طناجر الكسكس والطواجن.
كان إعداد طعام العيد جزءا من شبكة اجتماعية وعائلية ممتدة؛ اليوم تغيّر نمط الحياة، اتسعت المدن أفقيا، انفصلت الأسر الصغيرة عن العائلة الكبرى، وزادت مشاركة النساء في سوق العمل، بينما بقي عبء العمل المنزلي على عاتقهن في الغالب مع تراجع الدعم العائلي.
في هذا الواقع، صار إعداد الأطباق بالطرق القديمة أكثر مشقة، وهو ما دفع كثيرا من الأسر إلى حلول “أسرع”: انتشار الطعام الجاهز، اللجوء لنسخ “سريعة” من أطباق الطهي البطيء عبر استخدام طناجر الضغط الكهربائية أو الميكروويف، الاعتماد على الكبة والخضار المجمدة والحشوات الجاهزة والكسكس سريع التحضير، وشراء كعك العيد من المخابز بدلا من خبزه في البيت.
بقيت أسماء الأطباق كما هي، لكن طقوس الإعداد الجماعي تراجعت لصالح نمط حياة أسرع وأكثر فردانية، لا يترك متسعا كبيرا لـ”مطبخ مفتوح” على البيت والجيران كما في السابق.
ومع ذلك، لا تتوقف طقوس الطهي عند سد الجوع؛ فهي مرآة للتحولات السياسية والاقتصادية، ووسيلة لمقاومتها أيضا. قد تغيّر الحروب والتضخم ملامح المائدة، لكن الإصرار على إشعال الفرن ليلة العيد -حتى لو كان فرنا بدائيا في خيمة مؤقتة- يظل دفاعا عن فرحة العيد، وإعلانا صغيرا عن أن الحياة ما زالت ممكنة، ولو على قدر ما تسمح به كفة الميزان بين الكلفة والوقت والظروف.
المصدر: الجزيرة