في الوقت الذي كتبت فيه الانتخابات في المجر كلمة النهاية لحزب “الاتحاد المدني المجري” المعروف اختصارا باسم “فيدس” القومي وزعيمه فيكتور أوربان بعد 16 عاما في الحكم، ظهر حزب “البديل من أجل ألمانيا” بقوة هذا الأسبوع ليؤكد -في معقله بولاية ساكسونيا-انهالت شرق ألمانيا- أن الأحزاب القومية لم تعلن كلمتها الأخيرة بعدُ.
وجاءت استطلاعات الرأي الأخيرة لتعكس طموحات الحزب الجدية للحكم في الولاية، متسلحا ببرنامج انتخابي مثير للجدل مع رغبته في توسيع نفوذه تدريجيا بباقي الولايات، وهو ما يثير مخاوف جدية لدى الائتلاف الحاكم وأحزاب اليسار من انزلاق ألمانيا بالكامل نحو أقصى اليمين “المتطرف”.
في صدارة الاستطلاعات
فالحزب بات مرشحا بقوة للفوز بالأغلبية المطلقة في الانتخابات الإقليمية بولاية ساكسونيا-أنهالت في سبتمبر/أيلول المقبل، وستكون المرة الأولى التي يتولى فيها حزب من أقصى اليمين السلطة في ولاية ألمانية منذ الحرب العالمية الثانية.
كما أظهرت نتائج استطلاع أجراه معهد أبحاث الرأي “يوغوف” أن “البديل من أجل ألمانيا” أصبح يتصدر أيضا المشهد السياسي في ألمانيا بفارق واضح عن الأحزاب الأخرى.
وبحسب الاستطلاع الذي يُطرح فيه سؤال افتراضي عن أي حزب ستَنتخب إذا جرت انتخابات عامة يوم الأحد 19 ابريل/نيسان، حصل “البديل الألماني” على تأييد بنسبة 27% ممن شملهم الاستطلاع، بزيادة نقطة مئوية واحدة مقارنة بالشهر الماضي.
وفي المقابل، سجلت أحزاب الائتلاف الحاكم تراجعا ملحوظا، حيث انخفضت نسبة تأييد التحالف المسيحي المحافظ بزعامة المستشار فريدريش ميرتس إلى 23%، بتراجع قدره ثلاث نقاط مئوية، وهو أدنى مستوى يسجله التحالف المسيحي في استطلاعات “يوغوف” منذ ديسمبر/كانون الأول 2021. كما تراجعت شعبية الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى 13%، بانخفاض قدره نقطة مئوية واحدة.

خطة تغيير بـ180 درجة
وجاءت الصدمة مضاعفة للطبقة السياسية في ألمانيا مع عرض حزب البديل -قبل أيام- لبرنامجه الانتخابي خلال مؤتمر حزبي في الولاية الشرقية بمدينة ماغديبورغ، والذي وُصف بـ”الراديكالي والمعادي للقيم الأوروبية”.
يتضمن البرنامج -الذي يزيد على 150 صفحة- خططا لإصلاح واسع النطاق في ولاية ساكسونيا-أنهالت، تشمل قطاعات التعليم والرعاية الاجتماعية وتشديد القيود على المهاجرين، مقابل دعم العائلات من أصل ألماني.
وبشكل خاص يضع الحزب نصب عينيه تقديم خطة تمثل تحولا بنسبة 180 درجة في السياسات العامة ولا سيما في قطاع الهجرة، حيث يطالب بما يسميه “إعادة الهجرة” أي رد المهاجرين من ذوي الخلفية غير الألمانية على أعقابهم، وهي سياسة تنطوي -في تقدير المراقبين- على دلالات نازية. ولا تستثني هذه الخطة الأوكرانيين الذين فروا من الحرب.
ويشمل البرنامج المثير للجدل تنصيصا على “تغيير جذري” ضروري لسياسة الهجرة، من بين نقاطه الرئيسية:
- ترحيل اللاجئين وطالبي اللجوء أو إيواءهم في أماكن إقامة مركزية.
- وضع فرق عمل على الحدود لتكثيف عمليات الترحيل.
- تقديم حوافز للمواطنين الألمان من أجل الأنجاب.
- قطع التمويل على المشاريع المغايرة للثقافة الوطنية.
- إنهاء التعليم الإلزامي.
“كابوس للديمقراطية”
حتى الآن، لا تزال الحكومة الاتحادية في برلين تملك زمام الأمور بحكم الدستور، إذ لن يكون كافيا لحزب “البديل” تحقيقه الفوز الصريح في ولاية ساكسونيا-انهالت للدفع بأجندته السياسية كاملة، لكن البيان الانتخابي للحزب بدأ يدق ناقوس خطر.
وبنبرة لا تخلو من الثقة، قال نجم منصة “تيك توك” ومرشح الحزب في ساكسونيا-انهالت أولريش سيغموند -في المؤتمر الحزبي- إن أجزاء من أوروبا والعالم يتابعون الانتخابات التاريخية، وإن التحول الكبير يمكن أن يحصل أيضا في ألمانيا.
ويقول مراقبون إن البرنامج الحكومي في الولاية هو مؤشر على ما يعتزم الحزب فعله إذا ما حصل على المزيد من السلطة في جميع أنحاء البلاد.
ووصفت إيفا فون أنغيرن -زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب لينكه اليساري في ساكسونيا-أنهالت- خطط حزب البديل من أجل ألمانيا بأنها بمثابة “كابوس” للولاية وللديمقراطية.
وقالت إن الحزب يروّج لدولة استبدادية من شأنها أن تقيد بشدة الحقوق الأساسية، محذرة في نفس الوقت من “العواقب السلبية للغاية” إذا ما تولى هذا الحزب الحكم.

الهدف التالي الولايات الغربية
في حال حقق الحزب الفوز في انتخابات سبتمبر/أيلول، فستصبح ولاية ساكسونيا-أنهالت ثاني ولاية من ولايات ألمانيا الشرقية السابقة تنتخب “حزب البديل من أجل ألمانيا” كأكبر حزب فيها، بعد ولاية تورينغن المجاورة.
ويستمد الحزب شعبيته الراسخة في ولايات ألمانيا الشرقية الشيوعية سابقا من الاستياء العام جراء التفاوت الاقتصادي مقارنة مع الولايات الغربية، إلى جانب تزايد موجة العداء للأجانب بسبب تدفق الملايين من المهاجرين واللاجئين منذ عام 2015، وتواتر الهجمات القاتلة بين عاميْ 2024 و2025.
لكن هذا العام، هناك دلائل على أن حزب البديل من أجل ألمانيا بدأ في تثبيت أقدامه تدريجيا في الولايات الغربية تحديدا في انتخابات ولايتيْ بادن-فورتمبيرغ وراينلاند-بالاتينات.
ومع أن النتائج في تلك الانتخابات لم تكن كافية للفوز في أي من الولايتين، إلا أنه يُنظر لها -على نطاق واسع- كمؤشر على أن السياسات التي يتبناها حزب البديل من أجل ألمانيا تلقى صدى لدى الألمان في جميع أنحاء البلاد.
ويثير هذا التوسع قلق الأحزاب الألمانية التقليدية، مثل الاتحاد الديمقراطي المسيحي حزب المستشار فريدريش ميرتس، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يشكل جزءا من الائتلاف الحاكم.
وكان حزب البديل من أجل ألمانيا قد حل ثانيا في الانتخابات الفدرالية الألمانية العام الماضي، محققا رقما قياسيا بفوزه بـ152 مقعدا من أصل 630 مقعدا في البرلمان، بنسبة 20.8% من الأصوات.
المصدر: الجزيرة