وصية مودع.. ما الذي تكشفه رسالة ستارمر الأخيرة لخَلَفه؟

“إذا كنت رئيسا للوزراء وتهتم بقيمة الفواتير التي تدفعها الأسر، فعليك أن تهتم بما يحدث في أوكرانيا ومضيق هرمز”، بهذه الكلمات الوداعية رسم رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر ملامح ما يمكن وصفها بالوصية السياسية لخلفه المرتقب آندي بيرنهام.

يرى ستارمر -وهو يغادر منصبه- أن الأزمات العالمية لم تعد شأنا خارجيا منفصلا، بل باتت تؤثر تأثيرا مباشرا في إدارة الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين والسياسات الداخلية.

ففي أول مقابلة له منذ إعلانه الاستقالة يوم 22 يونيو/حزيران، دعا ستارمر خليفته القادم على رأس حزب العمال الحاكم إلى تخصيص الوقت الكافي للتعامل مع الملفات الدولية في ظل عالم يزداد اضطرابا.

وتعكس تصريحات ستارمر خلاصة تجربته بعد عامين في رئاسة الحكومة، ومفادها أن عالم اليوم، بما يشهده من تشابك بين الحروب والطاقة والتجارة والهجرة، لم يعد يسمح لأي رئيس وزراء بالانكفاء على الملفات الداخلية أو النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها شأنا منفصلا عنها.

جدل الأولويات

وفي الوقت الذي يطالب فيه كثيرون داخل حزب العمال بالتركيز على الأولويات الداخلية، مثل أزمة المعيشة والإسكان والخدمات العامة، فإن ستارمر يصر على أن هذه الملفات نفسها ترتبط مباشرة بما يجري في أوكرانيا ومضيق هرمز والأسواق العالمية، وأن الفصل بين الداخل والخارج لم يعد ممكنا.

وحذر ستارمر خلفه المرتقب بيرنهام من الاعتقاد أنه يمكن تقليص الوقت المخصص للدبلوماسية والانشغال بالقضايا المحلية فقط، مؤكدا أن “الشؤون الدولية والشؤون الداخلية هما في الواقع الشيء نفسه”، وأن أي رئيس وزراء جديد سيواجه البيئة الدولية المضطربة ذاتها التي واجهها خلال فترة حكمه.

وقال إن العالم أصبح “أكثر خطورة وتقلبا” من أي وقت مضى، معتبرا أن تأثير الصراعات الدولية ينعكس مباشرة على حياة البريطانيين، سواء من خلال أسعار الطاقة أو تكاليف المعيشة أو الاستقرار الاقتصادي.

إعلان

وجاءت تصريحات ستارمر ردا على دعوات داخل حزب العمال تطالب بأن تركّز القيادة المقبلة على الأولويات الداخلية، وهو ما يتبناه المرشح لزعامة الحزب بيرنهام الذي تعهد بإعطاء أولوية لتحسين مستويات المعيشة والإسكان والبنية التحتية وتعزيز اللامركزية في الحكم.

لكن ستارمر يرى أن معالجة هذه القضايا تبدأ من الخارج أيضا، مشيرا إلى أن خفض فواتير الطاقة، على سبيل المثال، يتطلب استقرارا في مناطق التوتر العالمية، وأن أمن الاقتصاد البريطاني بات مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتطورات الجيوسياسية.

وفي معرض دفاعه عن أداء حكومته، قال رئيس الوزراء البريطاني المستقيل إن بريطانيا استعادت مكانتها الدولية، وأصبحت دول أخرى تنظر إليها مجددا لتولي أدوار قيادية، معتبرا أن دعم أوكرانيا والمشاركة الفاعلة في التحالفات الدولية من بين أبرز إنجازات حكومته، إلى جانب استقرار الاقتصاد وتحسين أداء الخدمات الصحية والحد من فقر الأطفال.

This handout photograph taken and released by the UK Parliament's House of Commons on July 2, 2026, shows Britain's Prime Minister Keir Starmer (C) speaking as he makes a statement on historic forced adoption in parliament in central London.
تركيز ستارمر على السياسة الخارجية في الحكم ظل محل انتقاد من خصومه وداخل حزبه (الفرنسية)

انتقادات داخلية

غير أن هذه الرؤية لم تمنع تعرضه لانتقادات داخلية بسبب تخصيص وقت وجهد كبيرين لملفات السياسة الخارجية، في وقت كانت فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم داخل البلاد، وهو ما انعكس على تراجع شعبية حزب العمال وصعود حزب الإصلاح اليميني بزعامة نايجل فاراج في الانتخابات التي جرت في مايو/أيار الماضي.

ويأتي رحيل ستارمر في وقت يواجه فيه خليفته المرتقب مجموعة معقدة من التحديات الاقتصادية والسياسية، تبدأ بعجز متزايد في المالية العامة، وديون حكومية تجاوزت 3 تريليونات جنيه إسترليني، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع فوائد السندات.

كما يواجه رئيس الوزراء المقبل ضغوطا متزايدة لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل التوترات الأمنية العالمية، وهو مطلب يصطدم بواقع مالي صعب وبنفقات اجتماعية ضخمة تستهلك نحو ربع الإنفاق العام، الأمر الذي يضع الحكومة المقبلة أمام خيارات شديدة الحساسية بين تمويل الجيش أو الحفاظ على برامج الرعاية الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال معدلات النمو الاقتصادي ضعيفة، بينما تشير دراسات رسمية إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ألحق أضرارا طويلة الأمد بالاستثمار والناتج المحلي، مما يجعل ملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي واحدا من أكثر القضايا تعقيدا أمام القيادة المقبلة.

ورغم اعتراف ستارمر بأن “البريكست” أضعف الاقتصاد البريطاني، فإنه تجنب الدعوة إلى العودة للاتحاد الأوروبي خشية الانقسام السياسي، في حين ينظر إلى بيرنهام باعتباره أكثر انفتاحا على تطوير العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، دون أن يحسم شكل هذه العلاقة أو توقيتها.

ويضاف إلى ذلك ملف الهجرة، الذي تحول إلى إحدى أبرز القضايا السياسية في بريطانيا، بعد أن استثمره حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني المتطرف، في توسيع شعبيته، وهو ما سيجبر الحكومة الجديدة على الموازنة بين تشديد إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية والحفاظ على احتياجات سوق العمل والالتزامات الإنسانية.

إعلان

ومع تصاعد الضغوط داخل حزب العمال، من نواب ووزراء على حد سواء، لم يجد ستارمر سوى الإعلان عن تنحيه وفتح الباب أمام سباق على زعامة الحزب، تبدو ملامحه مرجحة لصالح آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، الذي يستعد لتسلّم إرث ثقيل من التحديات الاقتصادية التي كبّلت سلفه وأحاطت به من كل اتجاه.

 

المصدر: الجزيرة