في 19 أبريل/نيسان 2026، وبعد نحو 40 يوما من قرار النقابة العامة لأطباء مصر “إسقاط عضويته كاستشاري تخدير وعناية مركزة، وشطبه من سجلات المهنة”، توفي ضياء الدين العوضي عن عمر يناهز 47 عاما إثر “جلطة في القلب”، بحسب بيان وزارة الخارجية المصرية، لينهي بذلك موجة من التكهنات حول سبب الرحيل المفاجئ اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي.
لكن بيان الوفاة لم ينهِ الجدل، بل فتح بابا أوسع للنقاش حول نظام “الطيبات” الغذائي الذي صممه العوضي، وانتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل، قبل أن تصدر نقابة الأطباء بيانا حادا أكدت فيه أن هذا النظام “لا يستند إلى أدلة علمية أو تجارب سريرية معتمدة”، واتخذت إجراءات تأديبية شملت “منع العوضي من مزاولة مهنة الطب وإغلاق عيادته”.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
هذا الجدل يطرح سؤالا أساسيا: ما الذي يقوله العلم عن نظام “الطيبات”؟ وما له وما عليه إذا نظرنا إليه من زاوية تغذوية بحتة.

نظام “الطيبات”.. الفكرة والقواعد الأساسية
يقوم نظام “الطيبات” في جوهره على تقسيم الأطعمة إلى فئتين:
- أطعمة “خبيثة وسامة” -وفقا لوصف العوضي- يرى أنها تسبب الالتهابات ويجب استبعادها.
- وأطعمة “طيبة” يعتبرها “مستشفية” لأنها -بحسب طرحه- سهلة الهضم وتقترب في قوامها من الحالة السائلة، بما يقلل التلبك والانتفاخ و”الفضلات المرهقة للجهاز الهضمي”.
ولخص العوضي هذه الفلسفة في قواعد أساسية، من أبرزها:
- اختيار أطعمة “تشبع أكثر وتترك فضلات أقل”، مع تفضيل الطعام والخضراوات المطبوخة على النيئة والورقية.
- تناول الطعام عند الشعور بـ”جوع حقيقي”، والأكل “حتى الشبع” دون التقيد بسعرات حرارية أو مواعيد ثابتة للوجبات.
- شرب الماء عند الشعور بالعطش فقط.
- اعتماد فترات من الصيام المتقطع لإتاحة “وقت للصيانة والتجديد الداخلي” للجسم.

ماذا يسمح “الطيبات” بتناوله؟
بحسب ما ينقله العوضي عن نظامه، فإن قائمة “المسموحات” واسعة، وتشمل:
- النشويات: خبز القمح الكامل والذرة والأرز بأنواعه والبطاطس، مقلية أو مسلوقة أو مطبوخة.
- الدهون: مع تفضيل زيت الزيتون، ثم الزبد والسمن والقشدة، بالإضافة إلى زيت الذرة وزيت دوار الشمس.
- الأجبان: مثل البرميزان والريكفور والشيدر والفلمنك والغودا والموتزاريلا والجبن المطبوخ.
- الخضروات المطبوخة: كالبطاطس والباذنجان والفلفل والقلقاس والقرنبيط.
- اللحوم: مثل الضأن والحمام والأرانب، واللحوم الحمراء الأخرى، والأسماك المشوية أو المقلية.
- الفواكه: وتشمل التفاح والكمثرى والمانجو والجوافة والرمان والفراولة والتمر والتين والعنب والموز، بشرط تناول “صنف واحد فقط” وعلى فترات متباعدة.
- العصائر والمشروبات: معظم عصائر الفواكه -من دون بذور- والعصائر المعلبة، بالإضافة إلى القهوة التركية والشاي الأخضر ومشروبات الأعشاب.
- الحلويات: البسبوسة والشوكولاتة والنوتيلا والمربى والعسل والسكر والحلاوة الطحينية والفواكه المجففة.
- المكسرات: يسمح بجميع أنواع المكسرات باستثناء البندق واللوز والفول السوداني.
- المخللات: الزيتون فقط من بين المخللات.

قائمة الممنوعات.. ماذا يحذف “الطيبات” من غذائك؟
في المقابل، تضم قائمة “الممنوعات” عددا كبيرا من الأطعمة المتداولة:
- منتجات الحبوب المعالجة: خبز الدقيق الأبيض وخبز الشوفان والذرة والمعكرونة بأنواعها -بما فيها القمح الكامل- واللازانيا والكانيلوني والبيتزا والكرواسون وبسكويت الشوفان والكسكسي والسمبوسك.
- الحليب ومنتجات الألبان: مثل الجبن الأبيض والجبن القريش والزبادي والرائب، وحليب اللوز وجوز الهند.
- البيض: بجميع طرق طهيه.
- الدواجن: الدجاج والديك الرومي والنعام والبط والأوز.
- البقوليات: وتشمل معظم البقوليات مثل الفول والعدس واللوبيا والحمص، والفاصوليا بأنواعها.
- بعض المأكولات البحرية: كالجمبري والبطارخ.
- أغلب الخضروات -عدا البطاطس وبعض المحدد المذكور أعلاه- بما في ذلك: الأفوكادو والخيار والخس والجرجير والبقدونس والكرفس والجزر وأنواع الفلفل والطماطم والسبانخ والبازلاء والملوخية والكرنب وورق العنب.
- بعض الفواكه: وفي مقدمتها البطيخ -ممنوع كليا- والكنتالوب والبرتقال واليوسفي والكيوي والكاكا والبابايا.
- مشروبات: المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والشوكولاتة الداكنة.
- أدوية: مثل الأسبرين وأدوية الكوليسترول والحموضة والاكتئاب.
هذه القائمة تعني عمليا حذف مجموعات غذائية كاملة، وهو ما يثير تساؤلات علمية حول توازن هذا النظام على المدى الطويل.

كيف نقيم أي نظام غذائي؟ “مسطرة” من 6 أسئلة علمية
للقراءة العلمية المتأنية، يمكن استخدام “مسطرة” مبسطة من 6 نقاط، مما يجمع عليه كثير من خبراء التغذية، لا بهدف تقييم “الطيبات” وحده، بل أي نظام غذائي مشابه:
-
بين المنع والاعتدال.. كيف ينظر العلماء إلى الحميات الصارمة؟
يشير الدكتور روبرت شمرلينغ، من كلية الطب بجامعة هارفارد، إلى أن العلماء لا يميلون إلى “ثقافة المنع الشامل”، بل إلى الاعتدال، موضحا أن الخبراء أنفسهم لا يتفقون دائما على “الكمية المثالية” من كثير من السلوكيات الغذائية الصحية، أو حتى يعرفونها بدقة.
ويضيف أن: “كل ما هو مفيد لصحتك يكون أفضل عند تناوله باعتدال. حتى أكثر العادات صحة، إذا أُفرِط فيها، قد تصبح ضارة”.
بهذا المعنى، الحميات التي تقوم على قوائم طويلة من “الممنوعات” الصارمة تكون في العادة موضع شك علمي، خصوصا إذا لم تبنَ على دراسات سريرية قوية.

-
الدهون المشبعة والسعرات الحرارية.. لماذا تحذر الجمعيات العلمية؟
بحسب “جمعية القلب الأمريكية” -التي لا تصدر توصياتها إلا بعد مراجعة واسعة للأدلة- أثبتت الدراسات أن الدهون المشبعة الموجودة في الأطعمة الحيوانية ومنتجات الألبان كاملة الدسم -مثل الزبدة والقشدة- وبعض المخبوزات والأطعمة المقلية، قد ترفع مستويات الكوليسترول وتزيد خطر أمراض القلب والسكتة الدماغية.
لذلك، توصي الجمعية بأن:
- لا تزيد نسبة السعرات الحرارية من الدهون المشبعة عن 6% من إجمالي السعرات اليومية.
- لمن يتناول نحو 2000 سعر حراري يوميا، يعني هذا ألا تتجاوز الدهون المشبعة 120 سعرا حراريا تقريبا، أي نحو 13 غراما يوميا.
هذا يجعل الأنظمة التي تسمح بحرية كبيرة في استهلاك الأطعمة الدهنية -من دون مراعاة للسعرات أو نوع الدهون- على تضاد واضح مع هذه التوصيات.

-
الصورة الكاملة.. ما الذي يعنيه “نمط غذائي صحي”؟
تشير جمعية القلب الأمريكية إلى أن الصورة الكاملة للنظام الغذائي هي الأهم، وليس حكما واحدا على طعام بعينه.
وتلخص إرشاداتها العامة في:
- موازنة السعرات الحرارية المستهلكة مع احتياجات الجسم للحفاظ على وزن صحي.
- اختيار الحبوب الكاملة والبروتينات النباتية ومجموعة متنوعة من الفواكه والخضروات، مع تقليل الملح والسكر والدهون الحيوانية والأطعمة المصنعة.
- إدخال البقوليات والمكسرات والأسماك واللحوم قليلة الدسم، والدواجن منزوعة الجلد، ضمن نمط غذائي يعتبر “صحيا للقلب”.
بهذا المعنى، فإن حذف البقوليات ومعظم الخضروات والدواجن -كما يفعل نظام “الطيبات”- يتعارض مع بنية نمط غذائي يعتبره العلماء “متوازنا”.

-
الألياف وميكروبيوم الأمعاء.. ما الذي نفقده مع حذف البقوليات والحبوب؟
تجمع الأبحاث الحديثة على أهمية الأطعمة الغنية بالألياف في تغذية البكتيريا النافعة في الأمعاء (الميكروبيوم)، وهي بدورها ترتبط بصحة الأمعاء وتقليل خطر أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، بل وبعمر أطول.
وتوصي تقارير منشورة في “نيويورك تايمز” بالحرص على إدخال: الفاصوليا والعدس والحمص والأرز البني والحبوب الكاملة والمكسرات والفواكه والخضروات، ضمن الوجبات اليومية بوصفها مصادر أساسية للألياف.
من هذا المنظور، حذف البقوليات ومعظم الخضروات والحبوب -كما هو في “الطيبات”- قد يعني خسارة ركيزة مهمة لصحة الأمعاء والقلب، ما لم تعوض بمصادر أخرى مدروسة.

-
الماء والعطش.. مخاطر الاكتفاء بإشارة الجفاف
يقترح نظام “الطيبات” شرب الماء عند الشعور بالعطش فقط. لكن خبراء الترطيب يرون أن الاعتماد على “العطش” وحده قد يكون متأخرا.
- تؤكد سيندي نيلسون، من جامعة ولاية يوتا، أن قاعدة “8 أكواب ماء يوميا” ما زالت مرجعا عمليا بسيطا لمعظم الناس.
- بينما تحذر الدكتورة جينا مورغان، من جامعة أوهايو، من أن الشعور بالعطش يشبه “جرس إنذار” ينبه إلى بداية حالة جفاف خفيف، موضحة أن العطش لا يظهر عادة إلا بعد فقدان أكثر من 1.5 لتر من الماء عبر التنفس والتبول والتعرق.
هذا يعني أن توصية “الشرب عند العطش فقط” قد لا تكون آمنة لجميع الأفراد، خاصة في الأجواء الحارة أو لدى من يعانون من أمراض مزمنة.

-
الصيام المتقطع وتجاوز الوجبات.. قراءة في مخاطر الوفيات المبكرة
يرى “الطيبات” أن الصيام المتقطع يمنح الجسم “وقتا للصيانة الداخلية”، لكن الأبحاث الحديثة تضع علامات استفهام حول بعض أنماطه.
- مراجعة منهجية نشرت عام 2019، شملت دراسات في اليابان والولايات المتحدة، وجدت أن الأشخاص الذين يتخطون وجبة الإفطار بانتظام كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 21%، ولخطر الموت المبكر بنسبة 32%.
- ودراسة لجمعية القلب الأمريكية عام 2024، أشارت إلى أن حصر الأكل في 8 ساعات فقط يوميا قد يرتبط بزيادة خطر الوفاة بأمراض القلب بنسبة 91%.
مع ذلك، لا يعني هذا أن كل أشكال تقنين الأكل مرفوضة، لكنه يوضح أن الصيام المتقطع ليس “آمنا تلقائيا” للجميع، وأن تعميمه كنصيحة عامة يحتاج إلى حذر شديد واستشارة طبية.
في النهاية، يبقى “الطيبات” واحدا من الأنظمة الغذائية التي تنشأ خارج الأطر البحثية الرسمية، فهو يستند أساسا إلى تجربة شخصية جذبت كثيرين، لكنه يحذف مجموعات غذائية كاملة ويتعارض في نقاط جوهرية مع توصيات هيئات علمية مرموقة. لذلك، يظل تبنّيه على نطاق واسع -خاصة لفترات طويلة- قرارا لا يُنصح به دون تقييم طبي وغذائي يستند إلى الأدلة العلمية المتاحة لا إلى التجارب الفردية وحدها.
المصدر: الجزيرة