يوم القيامة الرقمي.. هل تستيقظ البشرية قريبا لتجد كل أسرارها مكشوفة؟

في صبيحة يوم قد لا يكون بعيدا جدا، يستيقظ مدير مصرف على خبر أن الحاسوب الكمومي أصبح قادرا على تنفيذ عمليات حسابية تهدد الأسس الرياضية التي تعتمد عليها أجزاء واسعة من أنظمة التشفير الحديثة، التي تحمي الاتصالات والهوية الرقمية والتوقيعات الإلكترونية.

وتصف جهات تنظيمية وأكاديمية هذا المشهد بأنه “يوم كيو” أو “يوم القيامة الرقمي”، الذي لا يوجد حتى الآن موعد متفق عليه علميا لوصوله، وتتباين التقديرات بين من يرى أن وصوله قد يستغرق سنوات طويلة، ومن يحذر من أن التطورات المتسارعة قد تقربه أكثر مما كان متوقعا.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2سناب شات يراهن على الإبداع الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي
  • list 2 of 2من السيارات إلى الروبوتات.. هيونداي تخطط لبناء جيش من العمال الآليين بحلول عام 2028

end of list

لكن التحذيرات المتلاحقة تقول إن الوقت المتبقي لتأمين أسرار البشرية الرقمية يتقلص شهرا بعد شهر، وإن الاستعداد لهذا اليوم لا يمكن تأجيله لأن عملية الانتقال من البنية التشفيرية الحالية إلى خوارزميات مصممة لمقاومة الهجمات الكمومية قد تستغرق سنوات.

ونتيجة لذلك، تتسابق الحكومات والمؤسسات الأمنية والمالية وشركات التقنية على تطوير وتنفيذ التشفير ما بعد الكم، في محاولة لحماية أسرار الحاضر من قدرة حاسوبية قد تظهر في المستقبل.

تشفير آر إس إيه يحمي منذ عقود المعاملات المصرفية والاتصالات الحساسة حول العالم (أنسبلاش)
تشفير آر إس إيه يحمي منذ عقود المعاملات المصرفية والاتصالات الحساسة حول العالم (أنسبلاش)

الدرع الذي يحمي عالمنا الرقمي

تعتمد أجزاء واسعة من البنية التحتية الرقمية الحديثة على التشفير لحماية البيانات أثناء انتقالها أو تخزينها، وتستند بعض الخوارزميات التي تعتمد عليها البنية التشفيرية للمفتاح العام، وعلى رأسها “آر إس إيه” و “إي سي سي” إلى مسائل رياضية يصعب حلها باستخدام الحاسوب التقليدي.

وعلى سبيل المثال، يعتمد نظام “آر إس إيه” على صعوبة تحليل أعداد كبيرة إلى عواملها الأولية، في حين تقدم خوارزمية “شور”، التي طورها عالم الرياضيات والحوسبة بيتر شور في تسعينيات القرن الماضي، نظريا طريقة أكثر كفاءة لحل هذا النوع من المسائل باستخدام حاسوب كمومي.

إعلان

وإذا ظهر حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء يمتلك موارد كافية لتنفيذ خوارزمية “شور” على مفاتيح بحجم مستخدم على نطاق واسع، فإن هذه المسائل الرياضية قد تصبح قابلة للحل، مما يعني أن بعض أنظمة التشفير بالمفتاح العام الحالية قد تصبح معرضة للخطر.

ولكن هذا لا يعني أن جميع أشكال التشفير قد تنهار في اللحظة نفسها، ولا أن كل البيانات المشفرة حاليا قد تصبح مكشوفة تلقائيا، حيث يتركز الخطر الكمومي بدرجة كبيرة على خوارزميات معينة، بينما يمكن تعزيز بعض أنظمة التشفير المتماثل باستخدام مفاتيح أكبر وتدابير مناسبة.

بداية العد التنازلي مع صعود الحوسبة الكمومية

خلال السنوات الأخيرة، انتقل النقاش حول الحوسبة الكمومية من المختبرات الأكاديمية إلى خرائط طريق تقنية وضعتها شركات كبرى، لكن ذلك لا يعني أن الوصول إلى حاسوب كمومي قادر على كسر “آر إس إيه 2048” أصبح أمرا وشيكا أو مؤكدا.

وعلى سبيل المثال، وضعت شركة “آي بي إم” ضمن خارطة طريقها هدفا لبناء حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء يحمل اسم “ستارلينغ” في نهاية العقد، مع خطط للوصول إلى مئات الكيوبت المنطقية وتنفيذ عمليات كمومية واسعة النطاق.

آي بي إم تستهدف تسليم أول حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء بحلول 2029 (آي بي إم)
آي بي إم تستهدف تسليم أول حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء بحلول 2029 (آي بي إم)

ويمثل هذا النوع من الخطط تقدما مهما في مجال الحوسبة الكمومية، لكنه لا يعني تلقائيا أن الجهاز قادر على كسر “آر إس إيه 2048″، حيث أن الفجوة بين بناء حاسوب كمومي متسامح مع الأخطاء وبين امتلاك الموارد اللازمة لتنفيذ هجوم عملي واسع النطاق على خوارزميات التشفير لا تزال كبيرة.

وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة أبحاثا أعادت النظر في كمية الموارد التي قد يحتاجها حاسوب كمومي مستقبلي لتنفيذ بعض هجمات التشفير.

وأثارت هذه النتائج اهتماما واسعا، ودفعت بعض المحللين إلى القول إن الجدول الزمني المتوقع لوصول “يوم القيامة الرقمي” بات أقرب مما كان يعتقد سابقا، وأن التقديرات السابقة لمتطلبات الهجوم قد تكون أعلى من اللازم.

لكن انخفاض التقدير النظري للموارد المطلوبة لا يعني أن تلك الموارد متوفرة اليوم، ولا يحدد موعدا مؤكدا لوصول “يوم كيو”، حيث أن هناك فرقا كبيرا بين معرفة أن هجوما كموميا ممكن من الناحية النظرية، وبين امتلاك جهاز قادر على تنفيذه فعليا وبسرعة وموثوقية.

ولهذا، تتراوح التقديرات بشأن موعد ظهور حاسوب كمومي قادر على تهديد أنظمة التشفير الحالية بين سيناريوهات متباعدة، ولا يوجد إجماع علمي على أن هذا الحدث قد يقع خلال العقد الحالي أو العقد المقبل.

لكن المؤكد أنه كلما تطورت الحوسبة الكمومية، أصبحت الحاجة إلى الانتقال إلى خوارزميات مقاومة للكم أكثر إلحاحا، بغض النظر عن الموعد الفعلي لوصول الحاسوب الكمومي القادر على تنفيذ الهجوم.

اجمع الآن وفك التشفير لاحقا

في ظل انتظار ظهور الحاسوب الكمومي الموعود، ظهرت تقنية تسمى “اجمع الآن، وفك التشفير لاحقا” تحول التهديد من مشكلة مستقبلية إلى قضية أمنية حاضرة، حيث من الممكن جمع البيانات المشفرة في الوقت الحالي والاحتفاظ بها إلى أن تتوفر في المستقبل القدرة التي تسمح بفك تشفيرها.

وتظل البيانات المشفرة اليوم، مثل البيانات الطبية والاتصالات الدبلوماسية والوثائق العسكرية والسجلات الحكومية والملفات التجارية، ذات قيمة بعد سنوات طويلة من الآن، لذا، فإن الانتقال إلى التشفير ما بعد الكم أصبح ضرورة، حتى في ظل عدم وجود الحاسوب القادر على تنفيذ الهجوم.

خبراء أمنيون يحذرون من أن جهات استخبارية تجمع بيانات مشفرة اليوم لفك تشفيرها مستقبلا (أنسبلاش)
خبراء أمنيون يحذرون من أن جهات استخبارية تجمع بيانات مشفرة اليوم لفك تشفيرها مستقبلا (أنسبلاش)

وإذا استطاع المهاجمون الحصول على نسخ مشفرة من تلك البيانات اليوم، فقد تصبح معرضة للكشف مستقبلا إذا نجحوا في فك تشفيرها، مما يعني أن الخطر يتمثل في أن سرية بعض المعلومات قد لا تصمد أمام الزمن.

إعلان

ومن هنا تظهر ما يُعرف باسم “متراجحة موسكا”، حيث تعد المؤسسة متأخرة عن الجدول الزمني الآمن للانتقال إلى التشفير المقاوم للكم إذا كان الوقت المطلوب لحماية البيانات وإجراء عملية الانتقال أطول من الوقت المتوقع حتى ظهور الحاسوب الكمومي القادر على كسر التشفير.

التشفير ما بعد الكم

في مواجهة هذا التهديد، أطلق المعهد الوطني للمعايير والتقنية مسابقة لتطوير خوارزميات التشفير ما بعد الكم المبنية على أسس رياضية مختلفة عن تلك التي يهددها الحاسوب الكمومي، بحيث تبقى صعبة الكسر حتى بوجود قدرات حوسبة كمومية متقدمة.

وبعد سنوات من التقييم والمراجعة، أعلن المعهد اعتماد أول ثلاثة معايير رسمية لهذا النوع من التشفير، وهي المعيار “إف آي بي إس 203″، المخصص لتبادل مفاتيح التشفير المشتركة، والمعياران “إف آي بي إس 204” و “إف آي بي إس 205″، المخصصان للتوقيعات الرقمية.

ويعتمد المعيار “إف آي بي إس 205” على نهج رياضي مختلف عن معيار “إف آي بي إس 204″، وهو ما يمنح النظام تنوعا إضافيا في حال اكتشاف مشكلة مستقبلية في إحدى العائلات الرياضية.

كما اختار المعهد خوارزمية “إتش كيو سي” لتكون خوارزمية إضافية للتشفير العام ضمن عملية التقييس، إلى جانب المعايير الثلاثة النهائية، في خطوة اعتبرها مراقبون تعزيزا لمرونة النظام في مواجهة أي ثغرات مستقبلية غير متوقعة.

معايير التشفير ما بعد الكم تعتمد على أسس رياضية مختلفة عن التشفير التقليدي (أنسبلاش)
معايير التشفير ما بعد الكم تعتمد على أسس رياضية مختلفة عن التشفير التقليدي (أنسبلاش)

لكن وجود هذه المعايير لا يعني أن العالم أصبح محميا من الخطر الكمومي، حيث أن اعتماد معيار جديد هو بداية عملية انتقال طويلة تتطلب اختبار الخوارزميات ودمجها في المنتجات والأنظمة والتأكد من توافقها مع البنى التحتية القديمة.

كما أن الاختلافات في أحجام المفاتيح والتوقيعات والبيانات الناتجة عن خوارزميات ما بعد الكم قد تؤثر في أداء بعض الأنظمة، وهو ما يفرض على المؤسسات اختبار البنية التحتية قبل اعتمادها على نطاق واسع.

السباق الصامت لتأمين البيانات

تشهد كواليس المؤسسات الدولية في الوقت الحالي تغييرا أشبه بخطة طوارئ عسكرية بعيدا عن الأضواء الإعلامية، فيما وُصف بـ”السباق الصامت” لتأمين بيانات الدول قبل فوات الأوان.

وفي الولايات المتحدة، وقع البيت الأبيض في مايو/أيار 2022 مذكرة أمن قومي ألزمت الوكالات الفيدرالية ببدء الانتقال إلى أنظمة التشفير ما بعد الكم.

فيما وضعت وكالة الأمن القومي جدولا زمنيا مرحليا للتنفيذ حدد عام 2027 موعدا لالتزام الأنظمة الجديدة المرتبطة بأنظمة الأمن القومي بهذه المعايير، وعام 2033 موعدا لاكتمال الانتقال عبر معظم فئات هذه الأنظمة، وصولا إلى عام 2035 كموعد نهائي شامل لكل أنظمة الأمن القومي.

وكالة الأمن القومي الأميركية تفرض مهلا صارمة لاعتماد التشفير المقاوم للكم بحلول 2033 (ويكيميديا)
وكالة الأمن القومي الأمريكية تفرض مهلا صارمة لاعتماد التشفير المقاوم للكم بحلول 2033 (ويكيميديا)

وفي يونيو/حزيران 2026، وقع الرئيس دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يسرع انتقال الوكالات المدنية الفيدرالية إلى التشفير ما بعد الكم، حيث يتوجب نقل الأصول عالية القيمة والأنظمة عالية التأثير إلى معايير تبادل المفاتيح الجديدة بحلول 31 ديسمبر/كانون الأول 2030، وإلى معايير التوقيع الرقمي الجديدة بحلول 31 ديسمبر/كانون الأول 2031.

وبدورها، أطلقت وكالة الأمن السيبراني الأوروبية، بالتنسيق مع المفوضية الأوروبية، خارطة طريق منسقة تستهدف بدء التغيير في جميع الدول الأعضاء بحلول نهاية عام 2026، وحماية البنية التحتية الحيوية بحلول عام 2030.

أما في ألمانيا تحديدا، فقد جددت الهيئة الاتحادية لأمن المعلومات توجيهاتها التقنية لتضع عام 2030 موعدا للبنية التحتية الحيوية وعام 2032 لبقية المؤسسات.

وإلى جانب الدول، فإن بعض أكبر الشركات التي تستثمر في تطوير الحوسبة الكمومية تعد من بين الجهات التي تعمل على تطوير حلول لحماية الأنظمة من آثارها المحتملة، حيث تستمر “آي بي إم” و “غوغل” و “مايكروسوفت” في الحوسبة الكمومية، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تقنيات التشفير ما بعد الكم.

إعلان

وتعد الحوسبة الكمومية مفيدة في مجالات، مثل اكتشاف الأدوية وتحسين العمليات والمحاكاة العلمية والمواد والذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تغير الافتراضات التي بني عليها جزء من أمن الاتصالات الحديثة.

خطر تأخر المؤسسات المالية تحديدا

يبقى القطاع المالي من أكثر القطاعات تعقيدا في عملية الانتقال، ويظهر هذا القطاع المشكلة بوضوح أكبر، نظرا إلى اعتماد البنوك وشبكات الدفع على بنية تقنية تراكمت عبر عقود.

ومن الأمثلة العملية على هذا التحول “مشروع ليب” التابع لمركز الابتكار في بنك التسويات الدولية، الذي عمل مع شركاء من البنوك المركزية ومؤسسات الدفع لاختبار استخدام التشفير ما بعد الكم في أنظمة مالية حقيقية.

وأظهرت التجارب قابلية الانتقال من الناحية العملية، لكنها كشفت أيضا عن تحديات تتعلق بالأداء والتوافق وإعادة تصميم بعض المكونات التقنية، وهي تحديات توضح لماذا قد تستغرق عملية الانتقال سنوات.

ودعت مجموعة الدول السبع الكبرى إلى التحرك المنسق والعاجل نحو التشفير المقاوم للكم، معتبرة أن التهديد أصبح خطرًا تشغيليًا وشيكًا يستوجب إدراجه ضمن خطط إدارة المخاطر فورا.

ولا تدير البنوك الكبرى نظاما تقنيا واحدا متجانسا، إنما شبكة من الأنظمة المتراكمة عبر عقود، مما يجعل عملية تحديد كل موضع يستخدم فيه التشفير التقليدي، وهي الخطوة الأولى الضرورية قبل أي عملية تغيير، مهمة شاقة تستغرق شهورا إن لم يكن سنوات.

ويزداد تعقيد المشكلة عندما نصل إلى العملات المشفرة، حيث تعتمد بعض شبكات العملات الرقمية على خوارزميات توقيع بالمفتاح العام قد تصبح معرضة للخطر أمام حاسوب كمومي قوي، خصوصا في الحالات التي تكون فيها المفاتيح العامة مكشوفة عبر شبكة بلوك تشين.

معهد سيتي حذر من أن هجوما كموميا ناجحا على أحد البنوك الكبرى قد يكلف الاقتصاد الأمريكي 3.3 تريليونات دولار
معهد سيتي حذر من أن هجوما كموميا ناجحا على أحد البنوك الكبرى قد يكلف الاقتصاد الأمريكي 3.3 تريليونات دولار (بيكسلز)

وتواجه الشبكات اللامركزية تحديا إضافيا يتمثل في ضرورة تنسيق عملية الانتقال بين المطورين ومشغلي العقد والمعدنين والمستخدمين والمؤسسات المتعددة، ما يجعل الترقية إلى خوارزميات مقاومة للكم قضية حوكمة بقدر ما هي قضية تقنية.

ختاما، يبقى “يوم القيامة الرقمي” في جوهره سيناريو محتملا لا مؤكدا، حيث أن الفارق بين التقديرات المتفائلة والمتشائمة لموعد وصوله يمتد لسنوات، وقد يثبت الزمن أن كثيرا من التحذيرات الحالية بالغت في تقدير سرعة التقدم التقني.

لكن ما يميز هذا التهديد تحديدا عن كثير من مخاطر التقنية الأخرى هو أن كلفة التأخر فيه لا تقاس بلحظة وقوع الحدث، إنما بما يجري تجميعه من بيانات مشفرة اليوم، في انتظار اللحظة التي تتحول فيها كل هذه الأسرار المخزنة إلى كتاب مفتوح.

 

المصدر: الجزيرة